فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 555

إن صرف العبادة لغير الله قد يكون في ظاهره عمليًا، ولكنه إنما يكون تبعًا لاعتقاد أن شيئًا من خصائص الربوبية يكون لغير الله؛ فإن من عبد وثنًا وصرف شيئًا من أنواع العبادة القلبية أو العملية له، لا يتصور منه إلا أنه يرى أن في هذا الصنم أو الوثن صفة توجب له هذا النوع من العبادة، فإنه"ليس من الطبيعي أن يتوجه إنسان إلى حجر أو شجر أو قبر أو أي مخلوق آخر بأشكال التقديس والتقرب، ولذا: فإن الصورة الساذجة المباشرة لهذه الأعمال لا يتصور أنها تنطلي من أول وهلة وبصورتها الساذجة على المخلوق المكرم بعقله، المميز بفطرته، إذ لا بد من وجود حجج وحيثيات تزين هذا الانحراف وتسوغه له، أي: لا بد من وجود (فلسفة) لهذا الأمر حتى ولو لم تظهر مصاحبة له، فهي في كثير من الأحيان تظهر في صورة أشبه ما تكون بالاتجاه النفسي (1) لدى المبتلين بهذا الداء، وهنا تكمن الصعوبة في هذا الجانب من البحث، لأننا نريد دخول منطقة (اللاوعي) عند القبوريين للخروج بالوعي الكامن الذي يحركهم ويدفعهم إلى هذه الأفعال التي من المفترض ألا يقبلها عقل راشد، بل كيف تمسكوا بها ودافعوا عنها ؟" (2) . وفي الحقيقة: أن هذا الذي يدعو من دون الله إنما يعتقد فيه نوعًا من النفع أو الضر (3) ، يقول الإمام الشوكاني _ رحمه الله _:"والبلية كل البلية ما صار يعتقده كثير من العوام، وبعض الخواص في أهل القبور، وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء، من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل، حتى نطقت ألسنتهم"

(1) الاتجاه النفسي:"ميل عام مكتسب، نسبي في ثبوته، عاطفي في أعماقه، يؤثر في الدوافع النوعية، ويوجه سلوك الفرد"، انظر: أسس علم النفس الاجتماعي، للدكتور مختار حمزة، ص: (244) .

(2) دمعة على التوحيد، مقال للكاتب: علي أبو الفتوح: ص: (93) .

(3) انظر: كتاب موسوعة أهل السنة، لعبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية، ص: (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت