الثالث: اعتقادهم أنهم بيدهم الوساطة المطلقة، والشفاعة التي لا ترد عند الله، ولكن الله تبارك وتعالى قد قيد الشفاعة، فقال: (لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (1) ، وقال: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (2) ، وقال: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ) (3) ، قال الرازي:"اعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالًا فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى بأن قال: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ) (4) ، وتقرير الجواب: أن هؤلاء الكفار: إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها، والأول باطل: لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئًا ولا تعقل شيئًا، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها؟ والثاني باطل: لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئًا ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة. فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره" (5) ، وهذا الاعتقاد: شرك في الربوبية، كما أن الفعل الذي انبنى عليه: شرك في الألوهية.
(1) سورة: (النجم: من الآية26) .
(2) سورة: (الأنبياء:28) .
(3) سورة: (البقرة: من الآية255) .
(4) سورة الزمر: (43) .
(5) التفسير الكبير: 26/285.