فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 555

ولو كان هذا هو تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ) (1) ، لكان الصحابة أول الناس وأولاهم فهمًا له وتطبيقًا لهذا النوع من الوسائل ولتواترت عنهم الأخبار في ابتغائها ولكنهم لم يكونوا يطلبون المغفرة وقضاء الحوائج إلا من الله وحده.

ولهذا فقد نسي فرقًا مهمًا بين الصورتين، وهو أن في صورة التشفع _ التي مثل بها _ والتي أطلق عليها اسم (الشفاعة) طلبٌ من الميت، وهو نفس الطلب من الأموات الذي كان يفعله كفار قريش بنص القرآن الكريم، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (2) ، وقال: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (3) ، فسماه الله شركًا رغم تسمية الكفار له شفاعة، وأما قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (4) ، ففيه توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو طلب من حي حاضر لا ينكره أحد على سبيل المبدأ، وليس فيه تلمس الحاجة ممن لا يقدر عليها، وليس فيه إضفاء للمطلوب منه صفةً من صفات الرب المنزه عن الشبيه والمثيل، بل وليس فيه تشبه بأهل الجاهلية، وهذا الأخير لا يختلف فيه مسلمان، وهو أن التشبه بالكفار مذموم في الشرع، وخاصة الكفار الذين ذمهم الله في القرآن، فكيف بالتشبه بهم في الأفعال التي ورد ذمهم وتكفيرهم

(1) سورة: (المائدة: من الآية35) .

(2) سورة: (الزمر: من الآية3) .

(3) سورة: (يونس:18) .

(4) سورة: (النساء: من الآية64) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت