فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 555

…ولما كان الحكم له سبحانه دون غيره كان الذي يأخذ أحكام الحلال والحرام من غير الله كمن اتخذه ندًا لله؛ فإنه قد أشرك مع الله إلهًا آخر في الخصيصة الإلهية التي اختصها الله لنفسه ألا وهي التحليل والتحريم، ولذلك يقول تعالى عن اليهود والنصارى الذين أطاعوا علماءهم وقساوستهم في شؤون التحليل والتحريم، فصاروا يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (1) ، وهنا وصف الله جل وعلا هؤلاء الرهبان والأحبار بأنهم صاروا بالنسبة لهؤلاء التابعين لهم: أربابًا من دون الله، وليس هذا الوصف لأنهم يعبدونهم فيسجدون لهم ويصلون، بل لأنهم أشركوهم مع الله في ما اختص به وحده من التشريع، ولذلك لما سمع عدي بن حاتم الطائي هذه الآية وقد كان في الجاهلية نصرانيًا، قال: (( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ) ) (2) .

ومظاهر التشريع البشري عند النصارى وقيامهم بتشريع ما لم يشرعه الله عز وجل قديمة قدم المجامع المسكونية (3) والتي كان أولها المجمع الذي حرموا فيه الختان على غير اليهود، وأحلوا فيه أكل لحم الخنزير على خلاف شريعة موسى - عليه السلام -، حين اجتمعوا في أورشليم سنة: 105 م (4) .

(1) سورة: (التوبة:31) .

(2) - أخرجه الترمذي: 5/ 278، برقم: (3095) ، وحسنه الألباني في غاية المرام، ص: (19) ، برقم: (6) .

(3) - يقصدون بها المجامع العامة للنصارى في العالم أجمع، انظر: المسيحية، د. أحمد شلبي، ص: (166) .

(4) انظر: المسيحية، د. أحمد شلبي، ص: (166) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت