إن الصواب والخطأ في هذه الحياة لم يكن يومًا ما معياره الأكثرية منذ خلق الله البشر، قال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (1) ، إن الأكثرية لم تكن معيارًا للصواب والخطأ سوى في هذه الديمقراطية التي يحكم فيها الشعب ويختار دستوره لنفسه، ترى هل سيكون الصواب هو ما صوبه علماء الطبيعة المنشغلون بدراساتهم بعيدًا عن معاناة الشعوب، أم سيكون الصواب هو ما اختاره العمال الكادحون الذين يسعون وراء لقمة العيش، والذين لا يقدمون من الآراء سوى ما يحقق لهم ما يرومونه من الحياة السعيدة، أم سيكون الصواب هو الذي تراه الفئة الثرية التي لا يهمها سوى رواج ما تنتجه مصانعهم، مهما كانت المادة المنتجة، إن الجواب لدى الديمقراطية هو أن الصواب والخطأ سيختاره الأكثر والأغلب، بغض النظر عن الفئات الأخرى رضيت أم سخطت، وهنا تبدأ المشكلة التي لا نهاية لها، ويشعر الآخر بالظلم الدستوري؛ لأنه ضَمن حقوق المنافس ولم يضمن حقوقه، وتُسلك الطرق الملتوية للحصول على تغيير الدستور الظالم في نظر البعض والعادل في نظر الآخرين، إن الصواب والخطأ في المعاملات وغيرها لا يعرفه سوى خالق البشر، ولذلك قال تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (2) ، فعندما تكون الحرية للشعب في اختياره للشرع الذي يحكمه سيكون الأمر بيد الشعب، وإن كان الأمر لا ينبغي أن يكون إلا لمن كان له الخلق، يقول خير الدين التونسي وهو يصف الحرية في النظام الديمقراطي:"الحرية الشخصية، وهي إطلاق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته بأبناء جنسه لدى الحكم، والحرية السياسية وهي حق الرعايا في التدخل وإبداء الرأي في مصالح الدولة، عن طريق المجالس النيابية. وحرية الرأي التي نسميها _ ترجمة للمصطلح الأوربي _ حرية المطبعة، وهي"
(1) سورة: (يوسف:103) .
(2) سورة: (الأعراف: من الآية54) .