فمن كان مقتنعًا بالقول الأول وهو أنه لا خالق في الكون، لم يكن مسلمًا. ومن كان مقتنعًا بما نسبه النصارى للمسيح من تلك المقولة الجائرة _ إذا فهمناها على حسب فهمهم _ فهذا قد تشبه بالنصارى، وقد ألقى بالآيات القرآنية التي لا تتفق وتلك المقولة عرض الحائط، وكأن دينه دين النصارى، وهذا في الحقيقة تنصلَ من الإسلام، وتنكر لدينه الإسلامي، وذهب يأخذ دينه عن أساطير النصارى.
فإن هذه العبارة هي من تحريفاتهم لدين الله _ خاصة لو فهمناها على حسب فهمهم _ يقول الشيخ سفر الحوالي:"إن هذه العبارة ظاهرها الأمر الصريح بالشرك (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ، فهي تجعل قيصر شريكًا لله في التوجه إليه بالعمل، ومن ينفذها على ظاهرها يقع حتمًا في شرك الطاعة والاتباع وهو شرك أعظم، لتنافيه مع توحيد الألوهية، وهذه الدلالة تكفي لنفي صدور العبارة من المسيح عليه السلام، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا لتحذير الجماعة البشرية من الشرك وتنفيرها منه جليله ودقيقه، فكيف يأمر نبي من أنبياء الله من أولي العزم بالشرك ويدعو إليه بهذه الصورة ؟، والواقع أنه ليس في استطاعة المسيح - عليه السلام - والقلة المسلمة معه و لا من منهج دعوته أن يرفضوا دفع الجزية للجاني الروماني الذي يجمعها من كل رعايا الإمبراطورية ويدفعها للطاغوت قيصر، ولكن هذا لا يعني أبدًا أن المسيح عليه السلام يقر ذلك الواقع الظالم، ويعترف لقيصر بحق مساواة الله في خلقه ويجعله شريكًا له في ألوهيته كما فهمت الكنيسة. فالمسيح عليه السلام - لو صحت العبارة - وافق على إجراء مؤقت تقتضيه ضرورة الواقع وطبيعة الدعوة المرحلية. ولو قدر للمسيح عليه السلام أن تبلغ دعوته من القوة ما بلغت الدعوة الإسلامية عند الإذن بالجهاد لأذن لقومه بأن يرفضوا دفع الجزية لقيصر، بل لأمرهم بجهاد الرومان وإشهار عدواتهم. وبذلك يتضح أنه حتى في حالة ثبوت العبارة فإنها ذات مدلول جزئي مؤقت"