فهنا رجح ابن كثير أن الاختلاف هو مفارقة الكتاب ومفارقة دين الله، وهذا الاختلاف يؤدي بلا شك إلى التنازع بين الناس، وينشئ الفرق. ثم استشهد ابن كثير بقوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (1) ، فالتفرق هنا عكس إقامة الدين ولما أمر الله بإقامة الدين نهى عن التفرق فيه وهو مفارقته وعدم إقامته (2) .
…قال شيخ الإسلام _ رحمه الله _مؤيدًا لما سبق، بعد سياقه لآيات الفرقة في الدين والاختلاف فيه:"فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق والتبعيض في قدره وقد يقع في وصفه فالأول مثل قول اليهود نؤمن بما أنزل على موسى دون ما أنزل على عيسى ومحمد وهكذا النصارى في إيمانهم بالمسيح دون محمد فمن آمن ببعض الرسل والكتب دون بعض فقد دخل في هذا فإنه لم يؤمن بجميع المنزل وكذلك من كان من المنتسبين إلى هذه الأمة يؤمن ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض فإن البدع مشتقة من الكفر وأما الوصف فمثل اختلاف اليهود والنصارى في المسيح هؤلاء قالوا إنه عبد مخلوق لكن جحدوا نبوته وقدحوا في نسبه وهؤلاء أقروا بنبوته ورسالته ولكن قالوا هو الله فاختلف الطائفتان في وصفه وصفته كل طائفة بحق وباطل ومن هنا تتبين الضلالات المبتدعة في هذه الأمة حيث هي من الإيمان ببعض ما جاء به الرسول دون بعض وإما ببعض صفات التكليم والرسالة والنبوة دون بعض وكلاهما إما في التنزيل وإما في التأويل" (3) ، فمدار كلام شيخ الإسلام حول النصوص والاختلاف عليها، إما في جانب التأويل بالتفسير الباطل، أو في جانب التنزيل بالتحريف، ولم يذكر الاختلاف بين الناس، وإن كان الاختلاف بين الناس مذمومًا ولا شك، ولكن المذموم من مجموع المختلفين هم الذين كانوا أبعد عن النص وأقرب إلى الاختلاف على نصوص الشرع.
(1) سورة (الشورى: من الآية13) .
(2) - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 4/187.
(3) - انظر: مجموع الفتاوى: 12/13- 15