فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 555

ويبدو للمتأمل في أفعال الصوفية أن المصدر الأصيل لكثير من ممارساتهم هو رهبانية النصارى، يقول شيخ الإسلام _ رحمه الله _:"كما أن كثيرًا من زهاد الصوفية يشبه النصارى ويسلك في زهده وعبادته من الشرك والرهبانية ما يشبه سلوك النصارى ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا اهدنا الصراط..." (1) .

"ويبدو أن من أسباب ظهور طبقة العباد والزهاد في القرن الثاني الهجري هو إقبال الناس على الدنيا يجمعون منها ويتفاخرون (2) ، فكانت ردة الفعل عند البعض هي الابتعاد الكلي عنها، ولا بد أن هناك أسبابًا أخرى قد تكون شخصية، وقد تكون من أثر إقليم معين أو مدينة معينة، فإن من الخطأ تفسير ظاهرة ما بسبب واحد. ثم حدثت مرحلة انتقالية بين هذا الزهد المشروع وبين التصوف حين أصبح له تآليف خاصة، ويمثل هذه النقلة مالك بن دينار (3) فنراه يدعو إلى أمور ليست عند الزهاد السابقين، منها التجرد أي ترك الزواج، وهو نفسه امتنع عن الزواج وكان يقول:"لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب" (4) . ويقول:"إنه لتأتي علي السنة لا آكل فيها لحمًا إلا في يوم الأضحى، فإني آكل من أضحيتي" (5) . وكثيرًا ما يقول: قرأت في التوراة، (6) ويروى عن عيسى عليه السلام: (بحق أقول لكم، إن أكل الشعير والنوم على المزابل مع الكلاب"

(1) درء التعارض: 7/94

(2) ابن خلدون: المقدمة، ص: (467) .

(3) قال عنه أبو نعيم في الحلية:"العارف النظار الخائف الجآر أبو يحيى مالك بن دينار كان لشهوات الدنيا تاركًا وللنفس عن غلبتها مالكًا"، حلية الأولياء: 2/357.

(4) سير أعلام النبلاء: 8/174، وقد علق محقق السير الشيخ شعيب على هذا الكلام فقال:"منزلة الصديقين لا تنال بهذا النسك الأعجمي المخالف لما صح عنه - صلى الله عليه وسلم -".

(5) تاريخ التصوف، ص: (193) ، سير أعلام النبلاء: 5/364

(6) جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص: (218) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت