ولم يقتصروا في أخذهم عن الرؤى والمنامات على أحكام الحلال والحرام، بل تعدوا ذلك إلى أصول العقائد والصفات الإلهية العليا، يقول أحد المعاصرين وهو ينقل لنا وصايا شيخه الثمينة _ في نظره _:"ما أعلمه هو ما رأيته في الرؤيا. وأنا لن أحدثك عن شيء إلا رأيته في رؤيا، وهذا ما يؤمن بها الصوفية فقط .. الكشف في اليقظة والكشف في المنام" (1) . وينقل مرة أخرى تأكيد شيخه التزام الصوفية بهذا المصدر من مصادر التشريع، ويعلل بأنه الأفضل والأقرب إلى الصواب، فيقول وهو يحاور أهل الشريعة _ ويسميهم: علماء الرسوم _ الذين أخذوا علمهم عن الأسانيد المتصلة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتركوا العلم اللدني والكشوفات الصوفية:"أخذتم علمكم ميتًا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. والصوفيون لم يأتوا بشيء من عندياتهم، وإذا كان علماء الرسوم أنكروا عليهم شيئًا فلأن علماء الرسوم محجوبون، محجوبون حتى بحجاب الشريعة. أما علمنا فهو من تركة النبي [- صلى الله عليه وسلم -] فهو العلم اللدني، والعلم اللدني هو الذي أثبت أن لنبينا هذه المكانة، ولقد سبق أن قلت لك إنني لن أقول شيئًا إلا وقد رأيته في رؤيا" (2) .
وأذكر هنا مثالًا واحدًا لما يقصه الكاتب عن شيخه من تفسير بعض الرؤى بما فيه تعدي على الصفات الإلهية، يقول:"لقد رأيتني في رؤيا مع امرأة اسمها نجلاء رمضان واقفَين أمام فرن، ولقد صنعت المرأة خفين من عجين ووضعتهما على النار ثم أعطتهما لي، ثم وجدتني أنا وهي على سرير، ونظرت فإذا أنا في الفضاء ومن تحتي الأرض بعيدة، وأبصرت على الأرض امرأتين واحدة اسمها نهى والثانية أمل، وأخذني الخوف من البقاء على هذا الارتفاع فهبطت."
(1) الإنسان الكامل محاورات في فلسفة الصوفية، لمحمد غازي عرابي، ص: (37) .
(2) انظر: الإنسان الكامل محاورات في فلسفة الصوفية، لمحمد غازي عرابي، ص: (46) .