لا يدرك أحد ما يصلح للبشر من اعتقادات أو عبادات ومعاملات سوى خالق البشر، فعندما ينزل الله دينًا من الأديان أو شريعة من الشرائع على عباده تكون هي الشريعة الصالحة وهي العقيدة الصحيحة التي لا ينبغي أن يغادرها الناس إلى غيرها، فإن خالفوها وحرفوا ما أنزل الله عليهم، فقد وكلوا إلى ما اخترعوه من عند أنفسهم، ولن يكون أصلح مما أنزل الله بحال.
…ولقد مر معنا فيما سبق إلى أي مدى تم تحريف الدين النصراني _ والعقيدة بالذات _، والقول بأن المسيح هو ابن الله أضفى إلى الكنيسة نوعًا من القداسة،"قائمة على أساس أن المسيح عليه السلام ذو طبيعتين إحداهما لاهوتية والأخرى ناسوتية, ومن ثم فهو إله وبشر في ذات الوقت, وهو على هذه الهيئة وسيط بين البشر ذوي الطبيعة الناسوتية الخاصة والإله ذي الطبيعة اللاهوتية الخالصة!! فهو ليس رسولًا يبلغ وحي الله للناس - كما هو الحقيقة - إنما هو حلقة وسيطة تمر بها مشاعر الناس وأعمالهم لكي تصل إلى الله, كما تمر من خلاله كلمة الله إلى الناس!"
وقائمة - من بعد - على أساس أن الكنيسة هي وريثة المسيح, ومن ثم فإن لها ذات الوضع وذات السلطان الذي كان للمسيح, فهي مقدسة, و"قداسة"البابا - ومن يكل الأمر إليهم من الكرادلة وغيرهم - هم الوسطاء الذين تمر بهم مشاعر الناس وأعمالهم لكي تصل إلى الله, كما تمر من خلالهم كلمة الله إلى الناس!!" (1) ، وعلى هذا فكل ما تأمر به الكنيسة من الأوامر أو تنهى عنه من النواهي، وكل ما تقره من العقائد هو مستمد من تلك القداسة المستمدة في الأصل من عقيدة بنوة المسيح لله."
تلك القداسة التي اكتسبتها الكنيسة هي التي جرأتها على الطغيان الذي قامت به في ما يطلقون عليه (القرون الوسطى) ، أو (عصور الظلمات) ، وهو الوقت نفسه الذي كان المسلمون يتمتعون فيه بالحرية في التفكير، ووحدة الكلمة، والسمعة العالية بين شعوب الدنيا.
(1) مذاهب فكرية معاصرة، للشيخ محمد قطب، ص: (28) .