فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 555

مارست الكنيسة تبعًا لذلك التفويض الإلهي الذي أعطاه بولس لها (1) أنواعًا من الطغيان، فلم يقتصر الطغيان الذي مارسته على الطغيان الروحي المصرح لها به، بل مارست طغيانها في جميع أشكال الحياة المادية.

فمن الناحية الدينية (الروحية) برزت وصاية الكنيسة على العقول النصرانية في أوروبا فلا مناقشة في أمور الدين، فلا يجوز السؤال عن العقيدة التي تمليها المجامع، الواجب هو الإيمان والتسليم دون اعتراض أو نقاش (2) ، الله هو الآب وهو الابن وهو روح القدس، واحد، وهو في نفس الوقت ثلاثة، والذي يسأل كيف؟: هذا خارج على تعاليم الكنيسة، كافر بالرب. كان هذا هو جزء من طغيان الكنيسة في الغرب على عقول الناس، وكان الناس _ وخاصة من اختلط منهم بالمسلمين _ يرون الفارق بين وضوح العقيدة لدى المسلمين، وتوحيد المشرع عندهم، وبين ممارسات الكنيسة، كانت المعاهد الإسلامية تدرس العقيدة وتطرحها طرحًا مبسطًا، ثم ترد على الشبهات الواردة في طريقة شرعية عقلية غير متسلطة، بغض النظر عن كونها مأخوذة عن الوحي _ وهو الغالب _ أو متأثرة بالعقليات الفاسدة كعلم الكلام أو الفلسفة أو غيرها؛ فإن الذي كان ينظر إليه الأوربيون ويعجبون به هو: تحرر العقيدة لدى المسلمين من وصاية (3) البشر.

(1) انظر: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، للإمام القرطبي، ص: (242) ، وفيها شرح بداية تغيير بولس لدين النصارى والذي يعتبر أساسًا لسلطة الكنيسة من بعد.

(2) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة، للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني، ص: (43) .

(3) - وأما ما حصل في زمن المأمون والمعتصم من فرض لعقيدة خلق القرآن فهو ظاهرة شاذة، ما لبثت أن تلاشت في زمن المتوكل، انظر: البداية والنهاية، لابن كثير: 10/293، وانظر: سير أعلام النبلاء: 11/265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت