فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 555

ولقد كان أول تقديم للعقل على الأمر الإلهي منذ بداية الخليقة وذلك لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم - عليه السلام - فاعترض إبليس بمقاييسه العقلية وعارض بذلك أمر الله الصريح له؛ لمجرد أن الله خلقه من نار، وخلق آدم من طين، فظن أن النار أشرف من الطين، فأبى أن يستجيب لأمر الله تكبرًا منه، فكان ذلك أول تقديم للعقل على النص الصريح، فكانت النتيجة أن طرد إبليس من رحمة الله؛ حيث قال الله تعالى له: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (1) .

وعلى هذا يكون أصل الشرور في العالم مبدؤها من تقديم العقل على النص الإلهي، وأنه من أول ما عُصي الله به، ومن أعظم ما عصي الله به.

…وتبع هذه الطريقة الشيطانيةَ مشركوا العرب في الجاهلية، الذين أنكروا البعث بناء على عدم تصور عقولهم القاصرة لقضية إعادة الخلق، فقالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (2) ، (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) (3) ، وكان ذلك منهم غاية السفه، ولذلك رد الله عليهم بقوله: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسي خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (4) ، وقال: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسوى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (5) .

(1) سورة ص، الآيتين: (77 - 78) .

(2) سورة الواقعة، من الآية: (47) .

(3) سورة (الصافات:53) .

(4) سورة (يّس:78) .

(5) سورة (القيامة:36 - 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت