بعدما أمر الله سبحانه رسوله- صلى الله عليه وسلم- بتبليغ الرسالة بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم- في دعوة كل من يتوسم فيه الخير والصلاح، من أقاربه وأصحابه ومعارفه فاستجاب له وآمن به كل ذي لب فبدأت الدعوة بدخول الناس أرسالا من الرجال والنساء حتى فشي أمر الإسلام بمكة وتحدث به.
ثم أمر الله رسوله- صلى الله عليه وسلم- بأن يجهر بالدعوة، فقال تعالى"وأنذر عشيرتك الأقربين"فصعد النبي- صلى الله عليه وسلم- الصفا ثم نادي (يا صباحاه) فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ فقالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"فقال أبو لهب- لعنة الله عليه: تبًا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ فأنزل الله عز وجل"تبت يدا أبي لهب وتب"وأما قومه فلم يجيبوه إلي الإسلام ولم ينهوه أو ينهوا عنه حتى عاب آلهتهم فلما عاب آلهتهم اجمعوا على عداوته إلا من عصم الله منهم الإسلام، وحدب عنه عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه والنبي - صلى الله عليه وسلم- يمضى في دعوته إلى الإسلام."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج3 ... ، والكامل في التاريخ لابن الأثير المجلد الثاني
(2) البداية والنهاية لابن كثير ج3 ... ، (3) نفس المرجع السابق
مشركى قريش تطلب من أبي طالب كفى الرسول صلى الله عليه وسلم
لما رأت قريش أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمضي في دعوته غير مبال بهم مشوا إلي عمه أبي طالب وقالوا له: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب ألهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا جميلا وردهم ردا رفيقا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لما هو عليه من نشر الدعوة ثم شري الأمر يبنه وبينهم حتي تباعد الرجال فتضاغنوا وأكثرت قريش من ذكر رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم، فمشوا إلى أبى طالب مرة أخرى: فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا إنا قد استنهيناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآباءنا وتسفيه أحلامنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتي يهلك احد الفريقين أو كما قالوا، ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم- لهم وخذلانه، فبعث إلي رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأعلمه ما قالت قريش، وقال له:- ابق على نفسك وعليّ ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- انه قد بدا لعمه بدو، وانه خذله وقد ضعف عن نصرته، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب فأقبل عليه وقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشئ أبدا.