فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 239

توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما حييت، والله ما أعلم أحدًا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أفضل مما أبلاني الله، والله ما تعمدت كذبة منذ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجوا الله أن يحفظني الله فيما بقى. وأنزل الله تعالى:"لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين أتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا"إلى قوله"وكونوا مع الصادقين".

قلت: وفى هذه القصة من التعاليم العظيمة، فالآن يحبس المخطئون في السجون ثم يخرجون بعد حين فيصبحون أعظم جرما، ويعودون لأخطائهم مرات عديدة، ولا سبيل إلى إصلاحهم بالقانون الوضعي، أما في هذه القصة فالقانون السماوي هو الذي أدبهم وطهرهم، فبدون حبس في السجون حبسهم في أنفسهم، مع أنهم يذهبون ويجيئون ولكن مع ذلك، فغنهم محبوسون، فاجتناب المسلمين لهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، ثم تاب الله عليهم ليتوبوا ولا يعودوا لمثل هذا أبدًا.

(وأيضا في القصة ما يدل على قوة إيمان هؤلاء الثلاثة وصحة عقيدتهم ولذلك تاب الله عليهم لما علم ما فيهم من صدق إيمانهم وصدق توبتهم.(1)

وفيها حج أبو بكر بالناس وكان في ثلثمائة رجل، ثم أنزل الله سورة براءة وفيها حرم الله البيت الحرام على المشركين وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بنقض العهد الذي كان بينه وبين المشركين قال تعالى"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر"إلى قوله تعالى"لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون"

فبعث الله بهذه الرسالة على بن أبى طالب وقال: لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى، وقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءته، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج: التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب، فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، وأهل المدة إلى الأجل المسمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت