وقد مشت قريش إلى أبى طالب عند موته وقالوا له:- أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه قال:- هؤلاء سروات قومك يسألونك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- أي عم أو لا ادعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ كلمة تدين لهم بها العرب ويملكون رقاب العجم، فقال أبو جهل:- ما هي؟ وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها، قال:- تقولون لا اله إلا الله.
فنفروا وتفرقوا وقالوا: سل غيرها: فقال: لو جئتموني بالشمس
حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها.
قال:- فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا: والله لنشتمك وإلهك الذي يأمرك بهذا. واقبل على عمه وقال: قل كلمة اشهد لك بها يوم القيامة.
قال لولا أن تعيبكم العرب بها وتقول:- جزع من الموت لأعطيتكها ولكنى على ملة الأشياخ وآبائي أو كما قال، فنزلت"انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء". وتوفى أبى طالب وخديجة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد خروجهم من الشعب، فتوفى أبو طالب في شوال أو في ذي القعدة وعمره بضع وثمانون سنة وكانت خديجة ماتت قبله بخمسة وثلاثين يوما، وقيل كان بينهما خمسة وخمسون يوما وقيل ثلاثة أيام فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمى هذا العام بعام الحزن
خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ثقيف
اشتد أذى المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت عمه أبى طالب فخرج ومعه زيد بن حارثة إلى ثقيف يلتمس منهم النصر فلما انتهى إليهم عمد إلى ثلاثة نفر منهم وهم يومئذ سادة ثقيف، وهم إخوة عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير فدعاهم إلى الله فلم يجيبوه إلى ذلك وردوا عليه ردًا سيئا، ثم أغروا به سفهاءهم فاجتمعوا إليه وألجؤوه إلى حائط لعتبه وشيبة ابنا ربيعة وقد تدامى وتدامت قدماه من الحجارة التي رمى بها من ثقيف فقال:- اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، اللهم يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمنى أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالى ولكن عافيتك هي أوسع أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بى غضبك أو تحل بى سخطك.)
فلما رأى ابنا ربيعة ما لحقه تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما بقطفا من العنب وأرسلاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى مكة في جوار المطعم بن عدى.
وثبت في الصحيحين من طريق عبد الله بن وهب اخبرني يونس بن يزيد عن إبن شهاب قال اخبرني عروة بن الزبير أن عائشة حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم (هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال:- ما لقيت من قومك كان أشد منه