.. الثاني: أن الروايات تعارضت فتعين الجمع، وطريق الجمع تأويل حديث ابن عباس أن قوله _محرمًا_ أي: في الحرم، فتزوجها في الحرم وهو حلال، لأنه يقال لمن هو في الحرم: محرم، وإن كان حلالًا وهي لغة شائعة معروفة (1) ومنه البيت المشهور:
... قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ودعا فلم أر مثله مخذولا
... أي: قتلوه في حرم المدينة.
... الثالث: أنه إذا اجتمع قول وفعل يرجح القول، لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه ومن خصائصه، وهذا هو الصحيح عند الأصوليين، وأما تأويلهم حديث عثمان بن عفان بأن المراد به الوطء فمتعقب بالتصريح فيه بقوله: (لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب) لأن الخطبة تراد للعقد، وكذلك النكاح.
... وقد ثبت عن قتيبة بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة ابن عمر ابنة شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان ليحضر ذلك وهما محرمان فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب(2 ) ) .
... وهذا السبب والاستدلال منهم وسكوتهم عليه دليل على سقوط هذا التأويل.
... ثانيًا: أن اللفظ إذا اجتمع فيه عرف اللغة وعرف الشرع قدم عرف الشرع، لأنه
ــــــــــــ
1 _ النووي المجموع 7/ 289 وقال النووي ولو ثبت أنه تزوجها - صلى الله عليه وسلم - محرمًا لم يكن لهم فيه دليل، لأن الأصح عند أصحابنا أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج حال الإحرام، وهو قول أبي الطيب بن سلمة وغيره / أ هـ.
2 _ صحيح مسلم 9/ 195 مع النووي.
طارئ وعرف الشرع أن النكاح العقد لقوله تعالى: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (1) وقوله تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ} (2) .
... وقوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} (3) .