الفلسفة اليونانيَّة، التي تسلح النصارى بأفكارها للوقوف في وجه دعوة الإسلام فأدى ذلك إلى حركة ترجمة انتقلت من خلالها الفلسفة اليونانيَّة إلى من اشتغل بهذا الأمر من المسلمين، فكان لها أثرها فيما يُسمى بـ «علم الكلام» والطرق الكلامية، وشغل أهله بالجدل فتفرقوا إلى مذاهب ونحل، واستكبرت العقول فتطاولت على كل شيء وبالغت في التفكير في ذات الله، وتقليب الرَأْي في صفاته، والإنسان في حقيقته عاجز عن استقصاء ما في ذاته من دقيق الخلق، فكيف يمكن للعقل أن يدرك خالقه ومن بيده الأمر كله؟! وكيف يدرك الخالق بصفاته، وليس كمثله شيء نقيسه عليه؟!
وما يهمنا في هذا المقام هو أنَّ ما وفد من النصارى قبل الترجمة من مسائل فلسفية وقضايا منطقية جعل المسلمين يبرزون لهم بروز الفارس في ساحة الوغى يدفعهم إلى محاجة القوم فيما أثاروه من شبهات أحكام الإسلام وأفكاره في الجدال والحوار والرد والنقض فعكفوا على التسلح بأفكار فلسفية من جنس ما يحاربون به.
ومن الطبيعي أن الجدل يستدعي النظر ويثير التأمل، وقد يؤدي إلى التأثر وهذا ما حصل فوجد أشخاص ينهجون نهجًا جديدًا في البحث والجدل متأثرين بطرق استدلال الفلاسفة فتكوَّن علم الكلام كعلم أساسه القرآن وهدفه الدفاع عن الإسلام وبيان أفكار القرآن بمنهج خاص يخالف منهج القرآن والحديث وسلف الأمة في البحث والتقرير والتدليل.
ووجدت طوائف تعلقت بمشكلات أهمها خلق الأفعال والوحي والعقل، ومن أهم تلك المدارس المعتزلة [1] والأشاعرة [2] والماتريدية [3] والمتفلسفين من المسلمين، وسنتكلم عن هذه الطوائف بما يناسب مع موضوعنا في الدراسة.
(1) فرقة إسلامية، رأسها واصل بن عطاء (131 هـ) سُموا بهذا الاسم، نتيجة لاعتزال واصل حلقة الحسن البَصْرِي، بعد خلاف حول مرتكب الكبيرة، وسمى المعتزلة أنفسهم بأصحاب العدل، وأصحاب التوحيد، واعتمدوا على العقل في إثبات العقائد وردوا على تيار الزندقة، ونازلوا الوثنيين، ومارسوا الجدل، وأغرقوا الفِكْر الإسلامي بالمناظرات، وجادلوا المجوس، والوثنية، والأشاعرة، والماتريدية، حتى أصابت حملتهم الفقهاء والمحدثين، افترقوا إلى فِرق منها: الواصلية، والهذيلية، والنظامية، والجاحظية.
أنظر: عزوز، إسحاق بن عقيل المكي، (1415 هـ) : الفرق الإسْلاميَّة، ص (76 - 82) .
(2) الأشاعرة: فرقة كلامية إسلامية، تُنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة وقد اتخذ الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم، لاثبات حقائق الدين والعقيدة الإسْلاميَّة. ومن أبرز أئمة المذهب: الباقلاني، والغَزَالي، والاسفراييني وإمام الحرمين والفخر الرَّازي وعمومًا فإنّ عقيدة الأشاعرة، تُنسب إلى عقيدة أهل السنة والجماعة بالمعنى العام في مقابل الخوارج والشيعة والمعتزلة. وأنّ الأشاعرة وبخاصة أشاعرة العراق الأوائل أمثال: أبو الحسن الأشعري، والباهلي، وابن مجاهد والباقلاني وغيرهم، أقرب إلى السنّة والحق من الفلاسفة والمعتزلة بل ومن أشاعرة خراسان كأبي بكر بن فورك وغيره، وإنّهم ليحمدوا على مواقفهم في الدفاع عن السنّة في وجه الباطنيّة والرافضة والفلاسفة. وممّا يجب التنبيه إليه هو ما آل إليه الإمام أبو الحسن الأشعري بعد كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي حمل فيه لواء أحمد بن حنبل ورجع فيه إلى إثبات الصفات جميعها من غير تكييفٍ ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل، ولا تمثيل، ورجع فيه عن كثير من آرائه الكلامية إلى طريق السلف في الإثبات وعدم التأويل، كما بيّن ذلك الحافظ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص (136) ، والحافظ البَيْهَقِيّ في كتاب الاعتقاد ص (96، 109) و وبعض الدراسات الجادة نحو المذاهب الإسْلاميَّة للبروي، ص (518) و مقدمة الإبانة لفوقية محمد ص (27) .
أنظر: الجُهني، د. مانع بن حّماد: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، ص (86) ، إلى ص (97) .
(3) الماتريدية: فرقة كلاميّة إسلاميّة، تُنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقليّة والكلامية في محاججة خصومها من المعتزلة والجهمية وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسْلاميَّة. من أبرز أئمة الماتريدية: أبو اليُسر البزدوي، وأبو المعين النسفي، والكمال بن همّام وينتسبون في مجملهم إلى الإمام أبي حنيفة ومذهبه في الفروع وتعمل الجامعات والمدارس على نشر مذهبه في كثير من أصقاع الأرض وتُدرس العقيدة الماتريدية في الهند وباكستان وتركيا والمغرب على أنّها عقيدة أهل السنة والجماعة.
أنظر: الجهني، د. مانع بن حمّاد: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، ص (99 إلى 108) .