فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 633

فأطرق المأمون يسيرًا ثم رفع رأسه وطلب منها الصبر حتى أوان مجلسه فانصرفت

وحضرت يوم الأحد في أول الناس، فقَالَ لها المأمون: «من خصمك؟» فقَالَت: القائم على رأسك العَبَّاس ابن أمير المؤمنين، فقَالَ المأمون لقاضيه يحيى بن أكثم، وقيل لوزيره أحمد بن أبي خالد: «أجلسها معه» ، ونظر بينهما بحضرة المأمون، وجعل كلامُها يعلو، فجزرها بعض حُجَّابه، فقَالَ له المأمون: «دعها، فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه» وأمر برد ضياعها عليها [1] .

ثالثًا: صفات الإمام العادل:

لما وليّ عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، خلافة المسلمين كتب إلى الحسن البَصْرِي أن يكتب إليه بصفات الإمام العادل، فكتب إليه:

«اعلم يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى، جعل الإمام العادل قوّام كل مائل، وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين: كالراعي الشفيق، الحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة ويحميها من السباع، ويكفيها من أذى الحرّ والقرّ [2] .

والإمام العادل يا أمير المؤمنين: كالأب العاني [3] على ولده، يسعى لهم صغارًا ويعلمهم كبارًا ويكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين: كالأم الشفيقة، البَّرة الرفيقة بولدها، حملته كرهًا وربته طفلًا، تسهر لسهره، وتسكن لسكونه ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، تفرح لعافيته، وتغتم لشكايته.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين: وصِيُّ اليتامى، وخازن المساكين يربى صغيرهم ويمون كبيرهم.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين: كالقلب بين الجوارح، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين: هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويُريهم، وينقاد لله ويقودهم إليه.

فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سَيِّده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وأهلك ماله.

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية (84 - 85) .

(2) القَر: البرد، يُقَال: قرَّ اليومُ قرا: برد. المعجم الوسيط، ص (724) .

(3) العاني: يُقَال عُني بالأمر عنيا وعناية: اهتم وشغل به. المعجم الوسيط، ص (633) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت