فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 633

واعلم يا أمير المؤمنين أن الله تعالى أنزل الحدود ليزجرها بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟

وإن الله تعالى أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟

واذكر يا أمير المؤمنين، الموت وما بعده، وقلة أتباعك عنده، وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر.

واعلم يا أمير المؤمنين: أن لك منزلًا غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه مُكثُك، ويفارق أحباؤك يسلمونك في قعره وحيدًا فريدًا فتزود له ما يصحبك {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} [1] .

واذكر يا أمير المؤمنين: {إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ - وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [2] فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل.

لا تحكم، يا أمير المؤمنين، في عباد الله بحكم الجاهلين ولا تسلك سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلاّ [3] ولا ذمّة، فتبوء بأوزارٍ مع أوزارك وتحمل أثقَالًا مع أثقَالك، ولا يغرنك الذين ينعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك.

يا أمير المؤمنين، لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدًا وأنت مأسور في حبائل الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع الملائكة والنَّبِيّين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيّوم.

وإني، يا أمير المؤمنين، إن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي فلم آلُك [4] شفقة ونصحًا فأنزل كتابي إليك، كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة، لما يرجو له من العافية في ذلك ومن الصحة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» [5] .

(1) عبس / 34 - 36.

(2) العاديات / 9 - 10.

(3) الإلُّ: العهد.

(4) ألا في الأمر، يألو: قصَّر فيه و أبطأ.

(5) فكري، علي: البيان الفاصل بين الحق والباطل، ص (179 - 180) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت