المبحث السادس
المعارضة السِّيَاسِيَّة مقارنة بالمحاسبة الشَّرْعية
تنطلق المعارضة السِّيَاسِيَّة في الفِكْر الغَرْبيّ من ضرورة ضمان حقوق الأفراد السِّيَاسِيَّة، وحرياتهم، وتعكس حقًا فرديًا مطلقًا، ينبع من كون السيادة مصدرها الشعب، فهي تعكس مصالحهم ورغباتهم، ولذلك إذا اتضح لسبب أو لآخر أن السلطة الحاكمة لا تعبر عن مصالحهم، جاز لهم إظهار عدم قناعتهم عن طريق المعارضة السِّيَاسِيَّة.
ومن منطلق الحرِّيَّة المطلقة، حدد «جون ستيوارت ميل» القواعد الفِكْرية الأَسَاسيَّة ... التي تبنى عليها المعارضة السِّيَاسِيَّة للنظام السياسي، والتي منها:
أولًا: إذا أرغم أي رأي على السكوت، فإن هذا الرَأْي، في حدود علمنا قد يكون صَحِيحًا، وإنكار ذلك إنما يعني افتراض العصمة فينا.
ثانيًا: رغم أن الرَأْي الذي أخمد قد يكون باطلًا، فإنه قد يتضمن، وعادة يتضمن، جزءًا من الحقيقة، ولما كان الرَأْي العام، أو السائد في أي موضوع نادرًا جدًا ما يكون هو الحقيقة كلها، فإنه لا أمل في الوصول إلى بقيّة الحقيقة إلا باصطدام الآراء المتعارضة.
ثالثًا: حتى إذا كان الرَأْي المعلن، ليس جزءًا من الحقيقة، بل الحقيقة كلها فإنه إذا لم تسمح بمعارضتها، وإذا لم تعارض فعلًا، بقوة وحماسة، فإن من يتلقونها سيعتنقونها كما لو كانت تحيزًا، ولا يفهمون أو يحسون كثيرًا بأسسها العقليّة. (أي الحقيقة) [1] .
ويؤكد الكتاب الغَرْبيّون، كذلك، أن «السلطة» و «المعارضة» توأمان لا ينفصلان:
والواقع أن إقامة واستمرار الحكم يتطلبان دومًا-مهما كانت أشكاله-وجود عدم المساواة والامتياز، وبالضرورة وجود تباعد وتفاوت بين الحاكم والمحكومين، وبالتالي امتياز لصالح الأولين ...
(1) ميل، جون ستيوارت: الحرِّيَّة، ترجمة عبد الكريم أحمد، ص (13 - 14) .