فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 633

وهذا التفاوت وهذه الامتيازات هي التي تغذي، أساسًا، ما يجب أن يُسّمى، بسبب عدم وجود تعبير أكثر ملاءمة، «بالمعارضة» [1] .

أما الإسلام فإن الحقوق السِّيَاسِيَّة للمسلم تتركز على ضرورة العمل الإيجابي لاصلاح المجتمع، دون اللجوء إلى المعارضة الدائمة للنظام، ولذلك جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة لدوام صلاح البلاد والنجاة من الهلاك، وفي ذلك يقول الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} [2] . ولما كانت دولة الإسلام، دولة فكريّة، قائمة على شرع الله سبحانه وتعالى، ملتزمة بالجهاد في سبيله، وجب عليها التأكد من حسن تطبيق الشَّرْع في الداخل ومن سلامة البنيان الداخلي للدولة، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببًا لتميز أمّة الدعوة بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [3] . ومن هنا تختلف الدَّوْلَةالإسْلاميَّة عن الدول الوضعية، التي تؤكد دساتيرها على معارضة الحاكم فقط، وذلك رغبة في الحد من سلطته، نظرًا لأن السلطة «مفسدة» في الفِكْر الغَرْبيّ، وكونها مفسدة يعني ضرورة تقييدها، ولذلك تنص دساتير بعض الدول الغَرْبيّة على الشروط الكفيلة بمنع تركز السلطة، وذلك عن طريق مبدأ الفصل بين السلطات، وعن طريق تبني مبدأ المعارضة السِّيَاسِيَّة، كوسيلة دائمة للتعبير عن عدم القناعة بالممارسات السِّيَاسِيَّة، التي تنتهجها الحكومة.

ويختلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كحق سياسي للمسلم عن المعارضة السِّيَاسِيَّة في الفِكْر الغَرْبيّ من عدّة أوجه:

أولًا: تنطلق المعارضة في الفِكْر الغَرْبيّ من قاعدة حفظ «الحرِّيَّة الفردية» ومنع الاستبداد، وتهدف في الغالب إلى إظهار خطأ الممارسات السِّيَاسِيَّة للحكومة والكشف عنها، بهدف إضعافها أو إسقاطها.

أما الإسلام فقد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة للتأكد من التزام الحاكم بالشَّرْع، لحراسة الدين من الضياع، ومنع تفشي الظلم والفساد. ولذلك، فهدف الأمر بالمعروف ليس حفظ حقوق وحريات الأفراد فقط وإنما التأكد من إقامة أحكام الإسلام.

(1) هوريو، أندريه، القانون الدستوري والمؤسسات السِّيَاسِيَّة، ص (؟)

(2) هود / 116.

(3) آل عمران / 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت