فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 633

أعيرته بأمه؟ إنّك امرؤ فيك جاهلية»، ثم قَالَ: «طفَّ [1] الصاع، طفَّ الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح» .

فندم أبو ذر على فعلته، وأثرت كلمات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في نفسه فألصق خذه بالأرض، وقَالَ لأخيه الأسود: «قُم فطأ خدي» [2] .

ثانيًا: عدالة الخلفاء الراشدين ومن بعدهم:

-أخرج البَيْهَقِيّ عن عبد الله بن عمر بن العاص: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام يوم جمعة، فقَالَ: «إذا كان بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسِم، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقَالَت امرأة لزوجها: خذ هذا الخِطام [3] لعلَّ الله يرزقنا حَمَلًا، فأتى الرَّجُل، فوجد أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر، فقَالَ: «ما أدخلك علينا؟» ثم أخذ منه الخِطام، فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسْم الإبل دعا بالرَّجُل، وأعطاه الخِطام، وقَالَ: «استقد» فقَالَ له عمر: «والله لا يستقيد، لا تجعلها سنة، قَالَ أبو بكر: ... «فمن لي من الله يوم القيامة؟» فقَالَ عمر: «أرضِهِ» ، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحِلها وقطيفة [4] وخَمسة دنانير فأرضاه بها» [5] .

وأورد ابن الجوزي عن عروة قال: كان عمر رضي الله عنه إذا أتاه الخصمان برك على ركبتيه وقال: «اللهمّ أعني عليهما، فإن كلَّ واحد يريدني على ديني» [6] .

وأخرج مالك عن سعيد بن المسيّب أن مسلمًا ويهوديًا اختصما إلى عمر رضي الله عنه فرأى عمر الحق لليهودي فقضى له عمر به، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق فضرب عمر بالدّرَّة وقال: وما يدريك؟ فقال اليهودي: والله إنا نجد في التوراة ليس قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يُسددانه ويوفقانه للحق ما دام مع الحق فإذا ترك الحق عرجا وتركاه [7] . وأنصف

(1) طفَّ: يُقَال: طفا أي ارتفع إلى أعلاه أو نهايته، المعجم الوسيط، ص (560) .

(2) قوله - صلى الله عليه وسلم: «إنّك امرؤ فيك جاهلية» رواه البُخَارِيّ كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجَاهِليَّة (1/ 20) و (5/ 2248) ، ومسلم كتاب الإيمان باب إطعام المملوك مما يأكل (3/ 1282) و (3/ 1283) .

(3) الخِطام: الزَّمام ما وُضع على أنف الجمل ليُقادَ به. المعجم الوسيط، ص (245) .

(4) القطيفةُ: كساء له أهداب، المعجم الوسيط، ص (747) .

(5) الكندهلوي: حياة الصحابة (2/ 92) . وانظر: سُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 49) .

(6) ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطّاب، ص (114) .

(7) الكندهلوي: حياة الصحابة (2/ 105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت