فهرس الكتاب
لذلك كان واقع العالم الإسلامي من الناحية الفِكْرية في هذه الفترة الزمنية أخطر المراحل الثقافية التي مرّ بها، إذ أن بدء الغزو الفِكْري لم ينل في مرحلته الأولى إلا من المبعوثين وبعض التلاميذ الذين فتنوا بالغَرْب ليتحول الأمر إلى غلبة روح التقليد من قبل غالبية الأمة، وفي ظل هذه الأعراض الفِكْرية التي غلبت على واقع المسلمين عاش مفكرو الأمة الإسْلاميَّة ما بين منتفع ومتأثر بالحَضَارَة الغَرْبيّة ومخطئ ومصيب في موقفه منها، وتائب راجع إلى الحق في أمور وأصيل يشق طريقه في أوساط الأمة بأصالة الفِكْر الإسلامي.
يقوم المجتمع الإسلامي على أسس ثلاث: الأفكار والمشاعر والنظام، والعلاقة بين هذه المقومات في داخل الأفراد علاقة متلاحمة، فالمجتمع الذي يدرك أفراده أن حكم الصلاة فرض، تثور لديهم مشاعر السخط تجاه من يتهاون في هذا الحكم، وتثور لديهم مشاعر الرضى إنْ تَرامى الأذان لمسمعهم، لأن أفكارهم عن الصلاة أصبحت مفاهيم، وصارت ميولهم ناجمة عن هذه المفاهيم، وبذلك يطلبون أن يوقع الحاكم العقاب الرادع على تارك الصلاة.
وأما المجتمع الذي يطبق على أفراده أنظمة غير أفكارهم ومفاهيمهم وتكون مخالفة لمشاعرهم، فإنهم لا يهتمون بتطبيق هذه الأنظمة، بل يتذمرون منها ويسعون لتغييرها من أجل أن تتفق ومفاهيمهم وتنسجم مع مشاعرهم.
وقد يلقن المجتمع أفكارًا لا تنبع من عقيدته، فتكون هذه الأفكار لدى البعض مجرد معلومات لا ترقى لأن تكون عندهم مفاهيم، وفي هذه الحالة يحصل الانفصام في شخصية هذا المجتمع فيحب أفراده أمورًا، ويميلون إلى أمور ولكنهم يفعلون أمورًا تخالف ميولهم، فالفرد في هذا لمجتمع يرتكب الحرام كالرِّبَا والزِّنَا والخمر وفي الوقت نفسه يصرح بأن ما يفعله حرام ويحاول أن يجد المبررات لارتكابه هذه الأفعال.
هذا الانفصام في شخصية المجتمع سعى الغَرْب إلى إيجاده في العالم الإسلامي من خلال تغيير العناصر المكونة للمجتمع وهي الأفراد والأفكار والمشاعر والأنظمة، وهذا أشبه بكأس شفافة مملوءة بسائل، الأفراد يشبهون الكأس الزجاجية والأفكار والمشاعر والأنظمة تشبه السائل، ويتلون الكأس بلون السائل الموجود فيها، فإن كان المجتمع إسلاميًا أدى هذا التغيير إلى إخلال أو إتلاف العناصر الأَسَاسيَّة من مقومات المجتمع، وهذا ما حصل في العصر الحديث حيث: «أصبح المجتمع يعيش حياة