بعد معرفة الواقع لمفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة تأتي المعالجة الشَّرْعية لهذا الواقع، وهو فهم الواجب في الواقع، أي فهم حكم الله الذي حكم به كتابه أو على لسان رسوله أو ما أجمع عليه الصحابة أو جاء بطريق القياس الجلي الواضح الصَحِيْح في هذا الواقع.
قَالَ ابن سُريج [1] «ليس شيء إلا ولله عزّ وجلّ فيه حكم لأنه تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} وليس في الدنيا شيء يخلو من إطلاق أو حظر أو إيجاب لأن جميع ما على الأرض من مطعم أو مشرب أو ملبس أو منكح أو حكم بين متشاجرين أو غيره لا يخلو من حكم ويستحيل في العقول غير ذلك» [2] .
لذا، كان من شروط المفتي: «معرفة الناس، وإلا راح عليه المكر والخداع والاحتيال، وهذا هو معنى ما يُذكرُ عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه من قوله: «لست بالخَبِّ ولا الخبُّ يخدعني» [3] .
فانطلاقًا من إعمال قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [4] وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [5] ، نذكر أصولًا ثلاثة:
الأصل في العبارات أنها لغوية المنشأ، بمعنى أنها وضعت في الأساس لتدل على معاني يتخاطب بها العرب قبل الإسلام، غير أنه بعد تدوين العلوم وظهور المبادئ والمذاهب الفلسفية فقد الكثير من تلك الألفاظ مدلولاتها اللغوية لتكتسب بديلًا عنها مدلولات اصطلاحية لتلك العلوم والمبادئ أو مدلولات عرفية، أو مدلولات شرعية ومما يتفرع عن هذا الأصل أن لكل مبدأ أو مذهب أو دين مصطلحات خاصة تخيرت لتدل على معاني تنفرد بها الجهة التي تخيرتها، فكان للإسلام مصطلحاته كما كان للمبادئ والمذاهب عامة مصطلحاتها.
(1) ابن سريج: هو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي أبو العَبَّاس، الفقيه، الأصوليّ، المتكلم، شيخ الشَّافِعِي ة في عصره، صاحب المؤلفات الحسان، توفيّ سنة (306) هجرية. انظر: ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات (2/ 251) . طبقات الشَّافِعِي ة للسُبكي (3/ 21) . وفيّات الأعيان (1/ 49) . شَذَرات الذَّهَب (2/ 247) .
(2) الزركشي، البحر المحيط، (1/ 165) .
(3) الحجوي، الفِكْر السامي، (1/ 428) .
(4) النساء/ 105.
(5) المائدة / 49.