1.إنّ الإسلام أحاط الجريمة بسياج منيع من التثبت حتى لا تكون العقوبة أداةً للتنكيل بالخصوم المعارضين فوضع القواعد الدقيقة التي تنظمها حرصًا على تحقيق العَدالَة ومساعدة في إيجاد الأمن والطمأنينة نحو الأصل براءة الذمة وما يتفرع عنها من قاعدتين هما درء الحدود بالشبهات، والخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة. ونحو لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص من خلال تقرير الفقهاء لقاعدتين هما: لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النّص «والأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشَّرْعي» ، ونحو لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم الحدود وهي الزِّنَا والقذف والسَّرِقَة والحرابة والبغي والردّة ونحو لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم القصاص والديّة، فالقصاص في القتل العمد وإتلاف الأطراف عمدًا والجرح العمد والديّة في جرائم القصاص إذا عفي عن القصاص لسبب شرعي ثم قتل شبه العمد والقتل الخطأ وإتلاف الأطراف خطأ والجرح خطأ.
ونحو ليس لولي الأمر حق منح العفو العام أو الخاص إلا في جرائم التعازير ونحو التكافؤ والمساواة في تطبيق العقوبة.
2.لمّا كانت الجرائم تتفاوت من حيث فظاعتها، كان لا بدّ من مقياس دقيق تقاس به الجرائم ليكون حجم العقوبة وكمية ألمها مناسبين لحجم الجريمة وكمية فظاعتها، والعقل البشري عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها ومن المحال أن يصدر حكمًا صَحِيْحًا على أي جريمة، والمَخرج يكون في عقوبات ثابتة يضعها من يملك مقياسًا غير معرض للخطأ وهذا يتطلب علمًا يختلف عن علم البشر وهذا لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى.
3.إنّ قوانين الإسلام كلّها تتوخى تحقيق مصالح الناس، والمصالح هي الغاية التي قصدها الشَّارِع من التشريع ككل وهي الرحمة للناس، وإن مقصد كل تشريع هو الغاية التي تنتج عن الحكم وليس الباعث على تشريعه وهذه الغاية قد تتحقق وقد لا تتحقق كشرب الخمر، فإنّ مقصد الشَّارِع أي غايته بمعنى حكمته انتفاء العداوة والبغضاء لا أن يكون الباعث على النهي هو وقوع العداوة والبغضاء وعليه فإنّ مقاصد الله من الأحكام هي الغايات والحكم وليست عللًا لها.
4.العقوبة رحمة بالنسبة للمنحرف ذاته وبالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه فأمّا المجتمع فلما تجلبه له من شيوع الأمن والحماية للأموال والدماء وأما بالنسبة للمنحرف فهي كفارات لأهلها وطهرة تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا أقدموا عليها.