وهذا يقودنا إلى أصل ثانٍ في التعامل مع المصطلحات الأجنبية وهو إخضاع المصطلحات الغَرْبيّة على ضوء الحكم الشَّرْعي.
لا يجوز إفراغ الكلام من معانيه ما دام الكلام مرتبطًا بقصد متكلمه وإرادته إذ لا بد من أخذ مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة مع دلالته التي وضعت له ثمّ دراسته من جميع جوانبه وإن كان منسجمًا في معناه مع المفاهيم الإسْلاميَّة قبل بمعناه دون تغيير أو تبديل. بمعنى أنه لا بد من إخضاع مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة من زاوية شرعية وعلى ضوء الحكم الشَّرْعي فيه يتصرف في قبول المصطلح بمعناه على اعتبار أنه من المفاهيم الإسْلاميَّة أو رفضه لأن الإسلام يحرم تداوله في الفِكْر الإسلامي.
يقول النَّبَهَانِيّ: «إن الألفاظ الأجنبية التي لها معانٍ اصطلاحية يُنظر إن كان اصطلاحًا يخالف اصطلاح المسلمين لا يجوز استعمالها نحو العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة والاشْتِراكِيَّة والدِّيمُقْراطِيَّة والرَّأْسُماليَّة وككلمة ملك أو إمبراطور أو رئيس جمهورية» [1] . فكل ذلك مما يحرم تداوله في الفِكْر الإسلامي استنادًا إلى النُّصُوص الشَّرْعية التي فهم منها ذلك، ومنها:
أ) قَالَ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [2] .
قَالَ الإمام الشَّوْكَاني: «وجه النهي عن ذلك ان هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبًا ... فلمّا سمعوا المسلمين يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - راعنًا طلبًا منه أن يراعيهم من المراعاة اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي مبطنين أنهم يقصدون السبّ الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسبّ والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم سدًا للذريعة ودفعًا للوسيلة وقطعًا لمادة المفسدة والتطرق إليه ثمّ أمرهم الله بأن يخاطبوا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض، فقَالَ: «وقولوا انظرنا أي أقبل علينا وانظر إلينا» [3] .
(1) رواه مسلم في صَحِيْحه (4/ 1764) ، وصَحِيْح ابن حِبِّان (13/ 144) ، بلفظ «قولوا الحبلة أو العنب» ، ومُسْنَد أبي عوانه، (5/ 108) ، والمعجم الكبير (22/ 13) ، والأدب المفرد (1/ 277) .
(2) البقرة/ 105.
(3) الشَّوْكَاني، محمد بن علي بم محمد، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، (1/ 124) .