ليس مطلق التصرف في العين نفسه، ولو ملكها ملكية عينية، بدليل أنه تصرف بالانتفاع بهذا المال تصرفًا غير شرعي، بالسفه والتبذير كان على الدَّوْلَة أن تحجر عليه وتمنعه من هذا التصرف، وأن تسلبه هذه الصلاحية التي منحته إياها. وعلى ذلك يكون التصرف بالعين والانتفاع بها هو المعنى المراد من ملكيتها أو هو أثر هذه المِلْكِيَّة ... » [1] .
ومن هذا يتبين أن الإسلام ينظر إلى المِلْكِيَّة ... بنظرتين: باعتبارها حقًا لصاحبها، وباعتبارها وظيفة اجتماعية، المالك فيها عامل وخازن وعليه أن يعمل في هذا المال بما يستطيعه في نطاق إرادته ومواهبه وقوته وله بحكم ذلك ثمره عمله ابتداءً بقدر حاجته وما به طيب عيشه، وأما ما فضل بعد ذلك فهو من حق صاحب المال، ومالكه الحقيقي يجب أن يوجه فيما أرشد إليه مالكه فلا يجوز اختزانه واكتنازه دون استثمار وعمل فيه، كما لا يجوز أن يمنعَ عن ذي الحاجة وعمًا تتطلبه مصالح الدَّوْلَة عند ظهور حاجتها إليه.
قبل البدء في شرح تنظيم الإسلام لقضايا التَّمَلُّك الفردي، لا بدّ من الإشارة إلى:
1.إن نظام الخلق تحكمه سنّة التفاضل لا التساوي، فشعار المساواة بصيغته التعميمية يتنافى مع نظام الخلق وهو مطلب مناقض للعدل إلا في بعض الأحوال، وهي التي يقضي العدل فيها بالتساوي. فالإسلام لا يقر المساواة على اعتبارها مبدأ عامًا وقاعدة مطردة، وإنما يقرها حينما يقتضيها العدل. وعلى جادة المثال «إنّ المذاهب الاشْتِراكِيَّة كلها بما فيها الشيوعية تعمل لتحقيق المساواة الفعلية بين الأفراد، إما المساواة بالمنافع، وإمّا المساواة في وسائل الإنتاج، وإمّا المساواة المطلقة وكل واحد من أنواع هذه المساواة مستحيل الوقوع وهو فرض خيالي. وذلك أن المساواة من حيث هي غير واقعية، فهي غير عملية. أما كونها غير واقعية فإن الناس بطبيعة فطرتهم التي خلقوا عليها متفاوتون في القوى الجسمية والعقلية ومتفاوتون في إشباع الحاجات، وبالتالي فالمساواة بينهم لا يمكن أن تحصل إذ لو ساويت بينهم في حيازة السلع والخدمات جبرًا بالقوة تحت سلطة الحديد والنار، فإنه لا يمكن أن يتساووا في استعمال هذا المال في الإنتاج ولا في الانتفاع به ولا يمكن أن تساوي بينهم بمقدار ما يشبع حاجاتهم، فالمساواة بينهم أمر نظري خيالي [2] . فالمساواة بين الناس مع تفاوتهم في القوى تعتبر بعيدة عن العَدالَة، وكل محاولة للمساواة في حيازة المنافع وفي وسائل الإنتاج مكتوب لها الإخفاق، لأنها مناقضة للفطرة. وقد كان الناس ولا يزالون متفاوتين في إمكاناتهم متباينين في أنشطتهم مختلفين في إبداعاتهم، فإن وزعت ثمرات جهودهم المتفاوتة عليهم جميعًا بالسواء، فذلك هو الظلم ذاته، وإنْ بدا في الظاهر أنها المساواة المطلوبة، فمن هنا كان لا بد في المجال الاقتصادي من تقييد المساواة بميزان العَدالَة حتى لا تنطلق المساواة مدمرة للحوافز.
«ومن نماذج الأحكام الاقتصادية التي روعيت فيها ضرورة ضبط مبدأ المساواة بميزان العَدالَة، نظام توزيع الميراث، فقد روعي في توزيعه أصل المساواة بين الوارثين ما دامت العَدالَة مساعدة على ذلك،
(1) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: النِّظَام الاقتصادي في الإسلام، ص (125) .
(2) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: النِّظَام الاقتصادي في الإسلام، ص (49 - 50) .