فإذا لوحظ أن هناك حالات تتخلف فيها العَدالَة عن المساواة الحرفية، فالأفضلية عندئذ لما تقتضيه العَدالَة، ذلك لأن الرصيد النهائي للعدالة هي المساواة دائمًا ولكن ليس الرصيد النهائي للمساواة هو العَدالَة بالضرورة» [1] . وعليه، فالتفاضل سنة الله في خلقه والدعوة إلى المساواة بين متفاضلين دعوة إلى الأخذ بأمر باطل وإلى إلغاء قانون العدل، قَالَ تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} [2] وقَالَ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [3] .
فالإسلام يقوم في الحقوق على قاعدة العدل لا على فكرة المساواة، وفي بيان الواقع يقوم على ما هو الحق في واقع الحال لا على التسوية مطلقًا وإن كان الواقع متفاضلًا، فلا يمكن أن يستوي من يبذل جهدًا وإمكانيات مالية وجسمية وعقلية ونفسية مع آخرين تضاءلوا في جهدهم وقدراتهم.
2.ليس من المعقول أن تترك قضايا التَّمَلُّك بلا تنظيم ولا تنسيق ولا ضوابط إذ معنى هذا جعل الأمور تؤدي إلى الفوضى والاضطراب وتسبب الشر والفساد حيث يترك الناس للغرائز الجامحة والتسلط والقهر والغلبة على الآخرين بحيث يأكل القوي الضعيف، ويؤكل المال بالحق والباطل ويقوم ميزان الجور ويلغى ميزان العدل. فلا بدّ من تنظيم عادل كامل مضبوط لقضايا التَّمَلُّك يحقق من ناحية العدل الكامل، ومن ناحية أخرى لا يؤدي إلى أن تصبح الأموال كلها بيد أو بأيدٍ قليلة.
فالنِّظَام الرأسمالي حين قرر حرية التَّمَلُّك والعمل لم يضع الضمانات الحقيقية أو الواقعية لضمان تحقيق هذه الحريات فعلًا بل ترك الأمر لجهود الأفراد الأمر الذي حرم الضعفاء من التَّمَلُّك والعمل وأدى إلى انطلاق الناس بشكل مسعور للحصول على الأرباح وزيادة الثروات بكل السبل مشروعة أو غير مشروعة وكأن المهم هو تحقيق الربح الفردي دون اكتراث بالمبادئ الدينية والأفكار الأخلاقية أو بمصلحة الآخرين أو المجتمع ككل. والنِّظَام الاشتراكي حين ألغى المِلْكِيَّة الفردية تعارض والطبيعة الإنسانية التي فطر عليها الإنسان في ميله إلى تملك ثمرة عمله فأدى إلى قتل الحافز الفردي للعمل، ذلك أن الإنسان لا يبذل كل عنايته واهتمامه إلا لما يملكه شخصيًا وأن عنايته تخف أو تنعدم لما لا يملكه.
(1) البوطي، د. محمد سعيد رمضان: الله أم الإنسان أيهما أقدر على رعاية حقوق الإنسان. ص (32 - 33) .
(2) المائدة / 100.
(3) الحديد / 10.