الأول: إن إشباع الحاجات العُضْويَّة حتمي فإن لم يأكل أو لم ينم الإنسان هلك في الحياة. وأما الغرائز فإن إشباعها غير حتمي وبالتالي فإن عدم إشباعها لا يؤدي إلى الهلاك وإنما يؤدي إلى القلق والشقاء كما هو كائن عند الزوجين اللذين لا ينجبان أطفالًا بسبب عقم أحدهما أو كليهما.
الثاني: إن الحاجات العُضْويَّة تثار من الداخل فالإنسان يشعر بحاجة إلى الطعام إذا جاع وإلى النوم إذا سهر ولا يستطيع له ردًا. وأما الغرائز فإنها تثار من خارج جسم الإنسان فمن رأى مالًا ثار لديه حب التَّمَلُّك الصادر عن غريزة البقاء ومن فكَّر بالمثيرات الجنسية ثارت غريزته لأنه أحَسَّها سابقًا « [1] .
ورغم أن وجود هذه الحاجات العُضْويَّة مدرك للإنسان فقد أشار إليها تعالى في قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [2] وقَالَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [3] حتى إنه أباح أكل ما حرمه عليه من الأطعمة من أجل إشباع الحاجة العُضْويَّة حين يتعرض للهلاك. قَالَ تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [4] .
يقوم الإنسان بأعماله ليشبع حاجاته العُضْويَّة وغرائزه ومجموع هذه الأعمال هو سلوك الإنسان، وهذا السلوك مرتبط بمفاهيم الإنسان عن الأشياء والأفعال والحياة، والسلوك هو الذي يدل على شخصية الإنسان، فالشخصية هي طريقة عقل الإنسان للواقع، وهي أيضًا ميوله نحو الواقع. وبمعنى آخر فهي عقليته ونفسيته.
«والعقلية هي الكيفية التي تجري على أساسها عقل الشيء أو إدراكه، أو هي الكيفية التي يربط بها الإنسان الواقع بالمعلومات بقياسها إلى قاعدة أو قواعد معينة» [5] .
(1) عبد الله، محمد حسين: مفاهيم إسلامية، ص (29) .
(2) الروم / 23.
(3) البقرة / 172.
(4) البقرة / 173.
(5) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: الشخصية الإسْلاميَّة، (1/ 13) بتصرف.