المبحث السابع
لا إكراه في الدين
مما علم في دين الله تعالى بالضرورة، وثبت بالسنة، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، أن العقائد والعبادات الإسْلاميَّة لا يكره أحد على اعتناقها ابتداء، حيث أقرّ الإسلام قانون: «لا إكراه في الدين» لغير المسلمين في عقائدهم وعباداتهم، وطبق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك عمليًا في تعامله مع غير المسلمين، سواء أكانوا كفارًا من أهل الكتاب كيهود المدينة، وخيبر، ونصارى نجران، أم كانوا لا يتدينون بكتاب كمجوس هجر، وإنما يلزم غير المسلمين بالخضوع للأحكام الشَّرْعية، المنظمة للواقع الاجتماعي، التي لا تتعارض مع عقائدهم وعاداتهم، نحو الأحكام المَدَنيَّة، كالبيع والتجارة، أو أنظمة العقوبات كحد السارق وقصاص القاتل، ونحو ذلك.
ولهذا شرعت أحكام الجزية على كل من كفر، وأراد البقاء على دينه، وعدم التحوّل عنه إلى دين الإسلام، لإبراز التبعية للدولة الشَّرْعية، وسيادة أنظمتها العامّة.
وبذلك استقر الأمر على ترك كل كافر على ما يعتقده، ويتعبد به، في دار الإسلام، ما دام خاضعًا لأحكام الشَّرِيعَة العامة، التي تنظم المجتمع وتسير بها أحكام الدولة، حيث يلتزم غير المسلم بتلك الأحكام العامة من جانبها التشريعي نفسه، كأنظمة قانونية للمجتمع التي تتعارض مع عقيدته، ودينه كأحكام العبادات والانضمام إلى جيش المسلمين وكذلك تلك الأحكام التي نظمها دينه نحو أحكام الزواج والطلاق والمأكل والمشرب، بحسب ما فصله الفقه الإسلامي. يقول عزّ وجلّ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [1] .
يفسر الإمام القرطبي هذه الآية بقوله: «الدين في هذه الآية: المعتقد والملّة، بقرينة قوله تعالى: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان أو البيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه» [2] .
(1) البقرة / 256.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن. (2/ 279) .