فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 633

كتب أبو يوسف في كتاب الخراج: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب لنصارى نجران كتابًا جاء فيه: أنه لنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النَّبِيّ رسول الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم، لا يغيّر أسقف من أسقفية، ولا راهب من رهبانيّة ... [1] .

كما روى أبو يوسف: أنّ الصحابة تركوا غير المسلمين وما يأكلون وما يشربون، ويتخذون، بحسب أديانهم، وقد روى أبو يوسف عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنه قَالَ لعماله: «يا هؤلاء بلغني عنكم أنّكم تأخذون في الجزية، الميتة والخنزير والخمر ... لا تفعلوا ولكن ولّو أربابها بيعها وخذوا منهم الثمن» [2] . مما يدل على ترك غير المسلمين، يملكون الخمر والخنزير، كطعام وشراب ويتبادلونها بينهم، ما داموا يرون إباحتها في دينهم، حتى لو لم يجز الإسلام ذلك، وهذا بالنسبة لمن كان غير مسلم أصلًا.

وبمقارنة هذه الإباحة في تدين غير المسلمين بما عند الغَرْب من الحرِّيَّة الدينية، نجد أن الحرِّيَّة الدينية في الفِكْر الغَرْبيّ تقوم على مرتكزات تناقض مفهوم إباحة التدين أو العقيدة في الفِكْر الإسلامي، فالحرِّيَّة الدينية في الغَرْب تنطلق من قاعدة كون التدين صلة روحيّة محضة، بين الإنسان وخالقه، لا شأن لها بكيان الدَّوْلَةالسياسي، ولا علاقة لها بالبناء التشريعي والاجتماعي والاقتصادي الداخلي منه والخارجي، لارتكاز الدَّوْلَةعلى المبدأ «القومي» والعَلْماني، الذي يفصل الدين عن الحياة الاجْتِمَاعِيَّة والاقتصادية والسِّيَاسِيَّة، الداخليّة والخارجية.

أضف إلى ذلك، أنّ الحرِّيَّة الدينية في الغَرْب، تعني حق الإنسان في أن «يختار الدين الذي يشاء، بل وأن يختار أن لا يكون مؤمنًا بأي دين كان» [3] .

والحرِّيَّة الدينيّة السلبيّة أي حق «الإلحاد» لا تتوافر إلا في ظلّ اتخاذ الدَّوْلَةموقفًا محايدًا من الدين «وهي حالة تسفر عنها الوضعية القانونية، الموصوفة بعلمانية الدَّوْلَة» [4] .

كما يخضع الغَرْب حريّة ممارسة الشعائر الدينية لمقتضيات المصلحة العامة، وحفظ النِّظَام ولذلك، يقيد الغَرْب هذه الحرِّيَّة بقيود جمة، بزعم الحرص على أن «لا تنقلب الحرِّيَّة إلى فوضى فتمس، بحجة التمتع بها، راحة الأهلين، وشعورهم، الذي قد يكون مغايرًا لهذه المظاهر» [5] . وإن حريّة التدين،

(1) أبو يوسف، القاضي: كتاب الخراج، ص (78) .

(2) أبو يوسف، القاضي: كتاب الخراج، ص (137) .

(3) رباط، د. أدمون: الوسيط في القانون الدستوري العام، ص (315) .

(4) رباط، د. أدمون: الوسيط في القانون الدستوري العام، ص (216) .

(5) رباط، المرجع نفسه، ص (221) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت