إن لفظة العَدالَة نقلها الشَّرْع في الكتاب والسنة من أصل الوضع اللغوي العام وقصرها على الدلالة التي يستفاد من جهة الشَّرْع وضعها وهي: «الاستقامة في الدين والدنيا» [1] .
وهذه الدلالة مستقاة من المعاني المختلفة الموضوعة من جهة الشَّارِع للفظة العَدالَة كلفظ مشترك، فتكون بهذا لفظة مشتركة دلّت على أزيد من معنى واحد مختلفة في حقائقها على الظهور بوضع واحد [2] وفي كونها لفظة واحدة ينتفي إثبات التباين والترادف في حقها لإنهما لا يقعان إلا في مجموع الألفاظ لفظتين فصاعدًا وفي كونها دالة على أزيد من معنى واحد احتراز عن اللفظة المفردة التي لا تدل إلا على معنى واحد، وفي كونها مختلفة في حقائقها احتراز عن المتواطئة فإن اختلافها ليس في الحقائق وإنما اختلافها في العدد وفي كونها أمرًا ظاهرًا احتراز عن الألفاظ المشتبهة التي تدل على أكثر من حقيقة واحدة مختلفة في حقائقها.
وعليه، فإن الناظر في النُّصُوص القرآنية والحديثية يجد نصوصًا متعددة قد أوردت لفظة العَدالَة سواء بصيغة الفعل أو المصدر تدل في معظمها على معانٍ متباينة تظهر من خلال السياق اللفظي وقد تتساوى المعاني التي وضعت لها عند انتقاء القرينة مما يؤدي إلى احتمال كون كل معنى منها مرادًا في تلك المواطن فيختلف المجتهدون في حمل ذلك اللفظ على أي من معانيه التي وضع لها، أو عليها كلها.
ففي الكتاب المطهر وردت لفظة العَدالَة بمشتقاتها في ثمانية وعشرين موضعًا [3] بمعانٍ متباينة نبيّن أصولها:
1 -الاستقامة: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [4] ، فقد أمر الله تعالى عباده بالعدل وهو الاستقامة على
(1) السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهيل الحنفي: أصول السرخسي، (3/ 113) .
(2) بن حمزة، الإمام يحيى: الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، (2/ 155) .
(3) عبد الباقي، محمد فؤاد: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص (448 - 449) .
(4) النحل / 90.