المبحث الأول:
إنّ الحكم إلا لله
واستقرار هذه الحقيقة، حقيقة أن الحكم لله وحده في نفس المؤمن ينير له الطريق ويحدد معالمه فلا يلتفت يمنة أو يسرة باحثًا عن الأحكام والحلول والمعالجات ويسكب في نفسه الطمأنينة إلى طريقة ويعتقد جازمًا أن الله راعيه وحاميه ومسدد خطاه، فهو بمقدار يقينه بصدق توجهه، متيقن بفساد التوجيهات الأخرى وعدم صلاحية المعالجات والآراء المغايرة لما هو عليه من صدق ويقين.
وبذلك تكون المرجعية الوحيدة هي الشَّرْع ولا شيء سوى الشَّرْع من عقل أو دساتير وقوانين وضعية أو مواثيق إقليمية أو دولية، والسيادة للشرع وليست للشعب والأحكام تصدر باسم الله وليس باسم الحاكم أو الشعب، وهكذا تقوم شرعة الحكم في الإسلام على أساس شهادة أن لا إله إلا الله، انطلاقًا من قول الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [1] وقوله: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [2] وما على المسلم إلا أن يخضع لحكم الله تعالى، لقوله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [3] . ومن هنا فالحاكمية لله تعالى لا شريك له وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، والحاكم المسلم يختاره المسلمون ليطبق عليهم حكم الله تعالى ولا يتعداه.
قَالَ الإمام الغَزَالي: «وفي البحث عن الحاكم يتبين أنه لا حاكم إلا الله ولا حكم للرسول ولا للسَيِّد على العبد ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه ولا حكم غيره ... وأما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه ولا مالك إلا الخالق فلا حكم ولا آمر إلا له، أما النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - والسلطان والسَيِّد والأب والزوج فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى كان للموجب عليه أن تغلب عليه الإيجاب إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، فإذن الواجب طاعة الله تعالى-وطاعة من أوجب الله طاعته» [4] .
(1) الأنعام / 57.
(2) الكهف / 26.
(3) النور / 51.
(4) الغَزَالي، حجة الإسلام: المستصفى (1/ 8 و 83) .