قَالَ أبو زهرة: «وهذا التعريف يومئ لا محالة إلى أن الحاكم في الفقه الإسلامي هو الله سبحانه وتعالى، إذ إنّ هذه الشَّرِيعَة قانون ديني يرجع في أصله إلى وحي السماء، فالحاكم فيه هو الله وكل طرائق التعريف بالأحكام فيه إنما هي مناهج لمعرفة حكم الله تعالى وأحكام دينه السماوي-على هذا اتفق جمهور المسلمين بل أجمع المسلمون ... فإن الإجماع قد انعقد على أن الحاكم في الإسلام هو الله تعالى، وأنه لا شرع إلا من الله وقد صرح بذلك القرآن الكريم فقَالَ تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [1] وقَالَ تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [2] » [3] .
وقَالَ فرج السنهوري: «لا حاكم إلا الله ولا حكم إلا ما حكم به على هذا اتفقت كلمة المسلمين حتى الذين قَالوا للأفعال حسنًا وقبحًا عقليين أي يدركهما العقل إذ إنّهم لم يذهبوا إلى أكثر من اتخاذ الوصفين أساسًا لحكم الله تعالى يصدر على موقفها، فالعقل لا دخل له في إنشاء الأحكام وإصدارها وإن كان هو شرط التكليف وله أعظم الأثر في فهم الشَّرْع» [4] .
وقَالَ تقيّ الدِّين النَّبَهَانِيّ: «فإن الحكم على الأشياء من حيث الحل والحرمة وعلى أفعال العباد من حيث كونها واجبًا أو حرامًا أو مندوبًا أو مكروهًا أو مباحًا وعلى الأمور والعقود من حيث كونها أسبابًا أو شروطًا أو موانع أو صَحِيْحة وباطلة وفاسدة أو عزيمة ورخصة كل ذلك ليس من قبيل ملاءمتها للطبع أو عدم ملاءمتها ولا هو من قبيل واقعها ما هو، وإنما من قبيل ترتب المدح والذّم عليها في الدنيا والثواب والعقاب عليها في الآخرة. ولذلك كان الحكم في شأنها للشرع وحده وليس للعقل، فيكون الحاكم حقيقة على الأفعال وعلى الأشياء المتعلقة بها وعلى الأمور والعقود إنما هو الشَّرْع وحده ولا حكم للعقل في ذلك مطلقًا [5] » .
وقَالَ الدكتور صلاح صاوي: «لا منازعة في أن الحاكمية العليا والسيادة المطلقة في الإسلام لا تكون إلا للشرع لا غير، فهو وحده الحجة القاطعة والحكم الأعلى وعلى الناس كافة أن يخضعوا له حكامًا ومحكومين، والخليفة وآحاد الأمة في ذلك سواء، وقد دلّت على ذلك محكمات الأدلة وانعقد عليه إجماع الأمة في مختلف الأعصار والأمصار» [6] .
(1) الأنعام / 57.
(2) المائدة / 49.
(3) أبو زهر، الشيخ محمد: أصول الفقه ن ص (63) .
(4) السنهوري، فرج: في تاريخ الفقه، ص (40) .
(5) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: الشخصية الإسْلاميَّة، (3/ 12) .
(6) صاوي، د. صلاح: تحكيم الشَّرِيعَة ودعوى العَلْمانية، ص (139) .