يقرر الإسلام حق المِلْكِيَّة الفردية للمال تلبية لغريزة التَّمَلُّك المركوزة في فطرة الإنسان، فمن فطرة الإنسان أن يندفع لإشباع حاجاته، ولذلك كان من فطرته أن يحوز المال لإشباع هذه الحاجات، ومن فطرته أن يسعى لهذه الحيازة، لأن إشباع الإنسان لجوعاته أمر حتمي، ومن هنا كانت حيازة الإنسان للثروة فوق كونها أمرًا فطريًا هي أمر حتمي لا بدّ منه. إلا أن هذه الحيازة لا يجوز أن تترك للإنسان ينالها ويسعى لها ويتصرف بها كما شاء لأن هذا يؤدي إلى الفوضى من غلوائها ويهدئ من اندفاعها، فمثل هذه الغريزة وأخواتها مندفعة بطبعها، لا تكاد تقف عند حدّ، لذلك كان لا بدّ من أن يكون تمكين النّاس من حيازة الثروة ومن السعي لها سائرًا على وجه يضمن إشباع الحاجات الأَسَاسيَّة لجميع الناس على تفاوت قواهم وحاجاتهم.
«وتقرير حق المِلْكِيَّة الفردية يحقق العَدالَة بين الجهد والجزاء، فوق مسايرته للفطرة واتفاقه مع الميول الأصيلة في النفس البشرية، تلك الميول التي يحسب الإسلام حسابها في إقامة نظام المجتمع، وفي الوقت ذاته يتفق مع مصلحة الجماعة بإغراء الفرد على بذل أقصى جهد في طوقه لتنمية الحياة، فوق ما يحقق من العزة والكرامة والاستقلال ونمو الشخصية للأفراد بحيث يصلحون أن يكونوا أمناء على هذا الدين، يقفون في وجه المنكر، ويحاسبون الحاكم وينصحونه، دون خوف من انقطاع أرزاقهم لو كانت في يديه» [1] .
فالعَدالَة تقتضي تلبية أشواق الفرد وإرضاء ميوله في الحدود المشروعة جزاء ما بذل من طاقته وجهده وعرق جبينه وكدح فكره وكد أعصابه لذلك كانت كل محاولة لمنع الإنسان من إشباع حاجاته مخالفة للفطرة وكانت كل محاولة لمنعه من حيازة الثروة أو لتحديد حيازته بمقدار معيّن أمرًا مخالفًا للفطرة» [2] .
و لكن إقرار الإسلام بحق المِلْكِيَّة ... الفردية لا يعني الحق المطلق [3] بلا قيود ولا حدود، بل يقره ويشرعه، ويشرع له الحدود والقيود إذ أنَّ النُّصُوص الشَّرْعية قد أظهرت طبيعة متميزة للملكية تظهر من خلال ما يلي:
(1) قطب، سَيِّد: العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، ص (116) .
(2) انظر: النَّبَهَانِيّ: النِّظَام الاقتصادي في الإسلام، ص (71) . بتصرف
(3) ذهب بعض المحدثين إلى القول بأن الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة تأخذ بفكرة المِلْكِيَّة ... المطلقة وبالنشاط الفردي الحر، فالأفراد في نظر هؤلاء يعتبرون أحرارًا في الاستيلاء على جميع ما يرغبون في الاستيلاء عليه من ثروات معدنية وطبيعية ومنهم الشيخ محمد باقر الصدر في كتابه اقتصادنا حيث قَالَ: «إن الممارس الذي يريد أن يتعرف على طبيعة الاقتصاد الإسلامي من خلال التطبيق قد يوحي إليه التطبيق بأن الاقتصاد الإسلامي رأسمالي يؤمن بالحرِّيَّة الاقتصادية ويفسح المجال أمام المِلْكِيَّة ... الخاصة والنشاط الفردي الحر كما ذهب إلى ذلك بكل صراحة بعض المُفَكِّرين المسلمين حين تراءى لهم أفراد المجتمع الذي عاشوا تجربة الاقتصاد الإسلامي وهم أحرار في تصرفاتهم لا يحسون بضغط أو تحديد ويتمتعون بحق ملكية أي ثروة يتاح لهم الاستيلاء عليها من ثروات الطبيعة. وبحق استثمارها والتصرف فيها وليست الرَّأْسُماليَّة إلا هذا الانطلاق الحر الذي كان أفراد المجتمع الإسلامي يمارسونه في حياتهم الاقتصادية. (اقتصادنا، ص(383 - 384) .