فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 633

مما سبق ذكره يتبين أن فقهاء الشَّرِيعَة، قد اختلفت أنظارهم في المعنى الاصطلاحي للملك فمنهم من نظر إليه باعتباره حقيقة شرعية أو حكمًا أقرّه الشَّارِع ورتب عليه آثارًا ونتائج ملازمة كما هو عند القرافي والسُّبكي. ومنهم من نظر إليه على أساس ذكر موضوعه وثمرته وآثاره كما هو عند ابن تَيْمِيَّة. ومنهم من نظر إليه باعتباره علاقة بين المالك والمملوك كما هو عند ابن الدهّان.

والذي يظهر لي من هذه التعريفات رجحان ما ذهب إليه القرافي الذي تأثر به السُّبْكِيّ لاعتبارات منها:

1.أن الملك حكم شرعي مقدر، لأنه يتبع الأسباب الشَّرْعية، وكل ما يتبعها فهو حكم شرعي مقدر وذلك لأنه يرجع إلى تعلق إذن الشَّرْع للإنسان بالانتفاع بهما استهلاكًا ومنفعةً ومبادلة: «وهذا الإذن من أكل الرغيف، وسكن الدار كما يتمكن من بيعها. فبالنسبة للرغيف، الحكم الشَّرْعي مقدر بالعين، وهو الإذن باستهلاكها وبالنسبة للدار، الحكم الشَّرْعي مقدر بالمنفعة، وهو الإذن بسكناها» [1] .

2.إن الملك لا يكون له وجود إلا إذا أقرَّ الشَّارِع وجوده، ولا يترتب عليه من الآثار حينئذ إلا ما رتبه الشَّارِع عليه، وعلى ذلك فإن الملك ليس صفة ناشئة عن طبيعة الأشياء وذواتها ولا عن اصطلاح الناس وعرفهم، ولا تثبت إلا بإثبات الشَّارِع لها، وتقريره لأسبابها. «ولهذا أذن في تملك بعض الأعيان ومنع من تملك بعضها، وأذن في بعض العقود، ومنع بعضها، فمنع تملك الخمر والخنزير للمسلم كما منع تملك مال الرِّبَا، ومال القمار لأي واحد من رعية الدَّوْلَة الإسْلاميَّة وأذن في البيع فأحلّه ومنع الرِّبَا فحرمه» [2] .

3.قَالَ السّبكي: فقد أشكلت حقيقة الملك على طوائف من النّظار وزلَّ من قَالَ منهم: «إنه التصرف، لأن المحجور عليه يملك ولا يتصرف، كما أن الولي يتصرف ولا يملك» [3] .

وعلى ضوء هذا التعريف المختار يمكن أن يُفهم أنّ هناك أسبابًا مشروعة للتملك وأحوالًا

معينة للتصرف بهذه المِلْكِيَّة وكيفية معينة للانتفاع بما يملك، وبعبارة أخرى فإنه يدلّ على

المعنى الحقيقي للملكية.

(1) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: النِّظَام الاقتصادي في الإسلام، ص (72) .

(2) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: النِّظَام الاقتصادي في الإسلام، ص (73) .

(3) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص (316) . والسبكي: الأشباه والنظائر، ص (57) .

وانظر العبادي، د. عبد السلام داود: المِلْكِيَّة الخاصة في الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة (1/ 141) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت