وشبّت نيران التحرير في أوروبا وأزيل الملوك وزال معهم الحق الإلهي ووضعت نظرية «السيادة للأمة» موضع التطبيق، وصار الشعب هو الذي يشرع من خلال ما يُسمى بالمجالس النيابية.
والسيادة تعني تسيير الإرادة وتنفيذها إلا أن الشعب إذا استطاع أن يباشر السيادة بإيجاد وكلاء عنه لمباشرة التشريع، فإنه لا يستطيع أن يباشر السلطة بنفسه ولذلك لا بدّ أن ينيب عنه من يباشر السلطة، فأوكل أمر التنفيذ لغير الشعب على أن يقوم الشعب بإنابته عنه، فوجدت من ذلك نظرية: الأمة مصدر السلطات أي أنها هي التي تنيب عنها من يتولى السلطة منها، أي من يتولى التنفيذ والفرق بين السيادة والسلطة، هو أن السيادة تشمل الإرادة والتنفيذ بخلاف السلطة، فإنها خاصة بالتنفيذ ولا تشمل الإرادة. وهذا الواقع للأمة في الغَرْب يخالف واقع الأمة الإسْلاميَّة.
المبحث الثاني
العدل من الحكام
الإنسان لا بدّ أن يعيش في مجتمع، ولا بدّ لهذا المجتمع من سلطة آمره، أو حاكم يدبر شؤونه ويسيّر أموره، لكن المفكرين، وإن اتفقوا حول ضرورة وجود هذا الحاكم، إلا أنهم قد اختلفوا حول صفاته والتزاماته ولم يهتدوا إلى الصورة الكاملة التي نبّه إليها القرآن في هاتين الناحيتين.
لقد خصّ القرآن الحاكم بصفات، وفرض عليه أمورًا تجعل منه أبًا رحيمًا وأخًا عطوفًا وابنًا بارًا يحنو على الضعيف، ويعين المحتاج ويغيث الملهوف، ويجيب المضطر، ويقيم العدل بين الناس كافة.
قَالَ الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [1] وقَالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [2] . «وأولى الأقوال بالصواب في معنى الآية قول من قَالَ هو خطاب من الله إلى ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم أو ما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية والقسم بينهم بالسوية» [3]
(1) النحل / 90.
(2) النساء / 58.
(3) بلحاج، علي: فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام، ص (136) .