لقد كان المسلمون تحت رياسة تامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا متضمنها: حفظ الحوزة [1] ، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف وكف الجنفِ والحيْفِ [2] والانتصاف للمظلومين من الظالمين واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين، دون فصل للدنيا عن الدين أو السِّياسَة عن الدين أو الدَّوْلَةعن الدين.
وبقي المسلمون على هذا الحال حتى تداعت الأمم عليهم من كل صوب وحدب فوجدت مرتعًا لزرعها تغرس فيه في جسم الأمة في وقت وقع فيه الفصام النكد بين أولي الأمر ومصادر التشريع لهذه الأمة والناس حيارى تتقاذفهم الأهواء وعلماء الأمة في شغل عنهم كل بما يشغله ويرى أنه الأسلم، والعقيدة خاوية، وإيمان الكثيرين مزعزع واليقين لم يعد يقينًا، والسلوك منحرف، والاستقامة معدومة، والفِكْر جامد، والاجتهاد معطل، والفقه مفقود، والبدع قائمة والسنّة نائمة، والوعي غائب حتى لكأن الأمة ليست هي.
وحالة كهذه أغرت الذين يتربصون بالأمة، ويحاولون الانقضاض على حافظة الحوزة وراعية الرعية بعدما رأوا ضعفها بما أوغروا في كيانها من سموم بأساليب متنوعة، حتى اهتبل الغَرْبيّون هذه الفرصة واحتلوا البلاد وامتلكوا أزمة العباد، وقضوا على البقية الباقية من مقومات شخصية الأمة حتى وصل الحال إلى ما نحن فيه اليوم من هوان واستكانة، وغدت مقَاليد أمورنا بأيدي أعدائنا يقررون مصائرنا، فنلتمس عندهم الحل لمشكلات أوجدناها بأنفسنا وشكلناها بأيدينا.
(1) الحوزة: الناحية، والمراد هنا ديار المسلمين.
(2) الجنف: الميل. والحيف: الجور والظلم. والمعنى: منع الانحراف والظلم.