نعم، لقد كان الإسلام طيلة القرون الخالية أعمق في النفوس من أن يستبدل به أي منهج آخر، وكانت الجَاهِليَّة أحقر من أن تطاله أو تطمع في أبنائه والسبب ما للخلافة من حفظ ورعاية للأمة.
روى الإمام أحمد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لينقضَّ الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة يتشبث الناس بالتي تليها وأولهنّ نقضًا الحكم وآخرهن نقضًا الصلاة» [1] .
وقد أدرك الغَرْبيّون أهميّة الحكم في الإسلام فعملوا على إبعاد أحكامه واقتطاع أمصاره [2] فاحتل الهولنديون أندونيسيا، والإنكليز الهند والروس أواسط آسيا والفرنسيون شمالي أفريقيا، «وحصرت أفغانستان تحت الضغط الإنكليزي والروسي كما حصرت إيران واشتدت حملة الغَرْبيّين في كل مكان على العالم الإسلامي، حتى شعر جميعه بتعرضه للسقوط نهائيًا تحت نير الغَرْب، وشعر أن الحملة الصليبيّة تجددت وأخذت تحرز الانتصار تلو الانتصار، وصار يتشبت بأعمال لوقف هذا الزحف الغَرْبيّ عنده حدّه أو للتخفيف من ثقل كابوسه. فحدثت حركات من المقاومة للغربيين في أكثر من مكان فشّبت ثورة في الجزائر، وهبّ المسلمون في الهند، وقام المهديون [3] في السودان، واشتعلت الثورة السنوسية [4] ، فكان لكل ذلك دليلًا على الحيوية الكامنة في العالم الإسلامي رغم ركوده وضعفه» [5] ولم
(1) صَحِيْح ابن حِبِّان (15/ 111) ومُسْنَد احمد (5/ 251) .والمستدرك للحاكم (4/ 104) . دار الكتب العلمية، و موارد الظمآن (1/ 87) ، وشُعب الإيمان (6/ 69) ، عن أبي أمامة الباهلي.
(2) نجد هذه الحقيقة واضحة في كتاب حاضر العالم الإسلامي للوثروب ستووارد كما نجدها في مقَالَ الوزير الفرنسي المشهور هانوتو الذي ردّ عليه محمد عبده في مطلع القرن العشرين ونجدها في كتاب إلى أين يتجه الإسلام؟ الذي أشرف على جمعه ونشره المستشرق الإنكليزي «جب» سنة 1932.
وانظر حول ذلك: ... المصري، د. جميل عبد الله محمد: حاضر العالم الإسلامي (1/ 21 - 23) .
حسين، د. محمد محمد: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (1/ 347) وما بعدها.
(3) المهديّة حركة إسلاميّة إصلاحيّة ظهرت في السودان. مؤسسها محمد أحمد المهدي بن عبد الله (1260 - 1303 هـ) من أهم أفكاره: 1 - ضرورة العودة إلى الكتاب والسنة. 2 - وقف العمل بالمذاهب الفقهية. 3 - تحريم الاشتغال بعلم الكلام. 4 - فتح باب الاجتهاد في الدين. 5 - إلغاء الطرق الصوفيّة وأورادها. 6 - الدعوة إلى الطريقة المهديّة ووردها. 7 - الادعاء بأنه المهدي المنتظر وخليفة رسول الله. 8 - نسب إلى نفسه العصمة. وبذلك يظهر أن الحركة شابتها بعض الانحرافات العقدية رغم دعوتها إلى عقيدة السلف في التوحيد والاجتهاد بسبب تأثره بالشيعة في فكرة ادعائه المهديّة. انظر: الجهني: الموسوعة الميسرة، (1/ 316 - 319) .
(4) السنوسيّة دعوة إسلاميّة إصلاحيّة تجديدية روحيّة على أساس الكتاب والسنّة. ظهرت في ليبيا وعمّت بعض البلاد الإسْلاميَّة، من أبرز شخصياتها مؤسسها الشيخ محمد بن علي السنوسي (1202 هـ-1276 هـ) وابنه المهدي والشيخ عمر المختار (1275 هـ-1350 هـ) من أهم أفكارها تأثرها بالإمام أحمد بن حنبل، وابن تَيْمِيَّة، ومحمد بن عبد الوهاب وبحركته السلفيّة في مجال العقيدة وتأثرها بالتصوّف الخالي من البدع ودعوتها إلى الاجتهاد ومحاربة التقليد والجهاد الدائم ضدّ المستعمرين. انظر: الجهني: د. مانع بن حمّاد: الموسوعة الميسرة (1/ 294) .
(5) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: الدَّوْلَةالإسْلاميَّة، ص (208) وانظر حسين، د. محمد محمد: الإسلام والحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (12) .