فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 633

يقتصر الغَرْب على اقتطاع الأمصار الإسْلاميَّة، بل أخذ يعمل للقضاء على الدَّوْلَةالعثمانية من خلال الحركات القومية التي أقامتها في كيانها «فأخذت الدول الأجنبية تحرض شعوب البلقان على الثورة منذ سنة 1804 م ... وتتابعت سائر بلاد البلقان حتى تقلص ظل الدَّوْلَةالعثمانية» [1] كما شجعوا الحركات القومية العربية [2] والتركية، كحزب تركيا الفتاة وحزب الاتحاد والترقي وكحزب الاستقلال العربي وحزب العهد، مما جعل كيان الدَّوْلَةداخليًا في اضطراب واهتزاز، فأخذ يميد تحت الأحداث الداخلية مع الغزوات الخارجية. وما أن أطلّت الحرب العالمية الأولى حتى اهتبل الغَرْبيّون الفرصة الذَّهَبِيّة لتوجيه الحملة على البقية الباقية من أمصار المسلمين، وما أن انجلت الحرب العالمية الأولى عن انتصار الحلفاء حتى تقاسم الغَرْبيّون جميع العالم الإسلامي ولم يبق من الأمصار إلا بلاد الترك التي صار يطلق عليها اسم تركيا.

«وهكذا تناثرت حبّات العقد الخلافي ونثرت درره في أيدي الاستعمار الغَرْبيّ، وأضحى الوضع السياسي منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين رازخًا تحت الغَرْب الاستعماري يركّز نفسه في البلاد التي بسط نفوذه عليها، وذلك بطمس معالم الحَضَارَة الإسْلاميَّة، وإحلال الحَضَارَة الغَرْبيّة محلها، في الواقع الإسلامي الذي أخضع للنفوذ الاستعمار الغَرْبيّ بعد الحرب العالمية الأولى» [3]

يقول مستر بلنت في كتابه «مستقبل الإسلام» بعد أن أبان أغراض حكومته الإنكليزية وأمانيها في مستقبل الإسلام في فاتحة كتابه:

لا تقنطوا فالدر ينثر عقده ... ليعود أحسن في النِّظَام وأجملا

(1) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: الدَّوْلَة الإسْلاميَّة، ص (209) .

(2) ظهرت بدايات الفِكْر القومي العربي كصدى للفكر القومي في أوروبا في أوائل القرن العشرين متمثلة في حركة سريّة تألفت من أجلها الجمعيات والخلايا في عاصمة الخلافة العثمانية، ثمّ في حركة علنيّة في جمعيات أدبيّة تتخذ من دمشق وبيروت مقرًا لها، ثم في حركة سياسية واضحة المعالم في المؤتمر العربي الأول الذي عُقد في باريس سنة 1912 م وظلّت الدعوة محصورة في عددٍ محدود حتى تبنى الدعوة إليها جمال عبد الناصر. ويمكن القول إنّ الفِكْرة تعيش في فترة انحصار وجمود وتراجع، وقد وصفها الشيخ ابن باز بقوله: «دعوة باطلة وخطأ عظيم، ومكرٌ ظاهر، وجاهليّة نكراء، وكيدٌ سافر للإسلام وأهله» . انظر: الجهني: الموسوعة الميسرة، (1/ 450) .

(3) زقزوق، د. محمود حمدي: الاستشراق والخلفية الفِكْرية للصراع الحضاري، ص (50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت