والعبادة ينبغي منعها من «أن تهدد سلامة المجتمع أو أمنه ... التي قد تضطر الإدارة المسؤولة إلى (تقييدها) لحفظ النِّظَام العام» [1] .
ومن ذلك يظهر أن حريّة ممارسة الشعائر، وحريّة التدين، تقع في مرتبة أدنى من حفظ النِّظَام العام، وبقاء الدَّوْلَةفي الفِكْر الغَرْبيّ، مما يبيح للسلطة الحاكمة فرصة إلغاء الحرِّيَّة الدينية، من ممارسة شعائرها، بحجة تنظيم مظاهر العبادة أو عدم الإضرار بالآخرين، كما يظهر اليوم من منع المسلمين في بعض أقطار العالم من إقامة الأذان، أو تدريس الدين الإسلامي في مدارسهم أو إكراههم على تغيير أسمائهم أو لبس الحجاب الشرعي أو إقامة أي حكم شرعي له صلة بالتنظيم الاجتماعي.
ومن ذلك يظهر وجود التناقض بين الزعم بحرية التدين ثمّ عزله عن أي ممارسات تؤثر على الواقع الاجتماعي، وحرصه في تصرفات وشعائر روحيّة محضة لا علاقة لها بواقع الحياة.
أما من اعتنق دين الإسلام، فإن الأصل في التعبد للمسلم هو القيام به وفق ما جاء في الشَّرْع، سواء أكان ذلك في العقائد، أم كان في العبادات، ولا يحل للمسلم أن يتعبد بكيفية، أو هيئة، ليس لها أصل في الشَّرِيعَة، أو خارجة عمّا رسمه الشَّرْع عمدًا عالمًا بذلك، وإلا عُدّ مبتدعًا للإثم، مغايرًا للشّرع، يقول الإمام الشَّاطِبِي رحمه الله:
«المبتدع معاند للشرع، ومشاق له، لأن الشَّارِع قد بيّن لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها. و أخبر أن الخير فيها، والشرّ في تعديها .. فالمبتدع راد لهذا كلّه، فإنه يزعم أنّ ثمّ طريقًا آخر .. قد نزل نفسه منزله المضاهي للشارع» [2] .
وروى العرباض بن سارية [3] : أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في خطبته: «عليكم بسنتي، وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ [4] ، وإيّاكم ومحدثات الأمور،
(1) رباط، المرجع نفسه، ص (220) .
(2) الشَّاطِبِي: الاعتصام، (1/ 49 - 50) .
(3) العرباض بن سارية السلمي، صحابي قَدم حمص ومات في فتنة ابن الزبير. انظر: الإصابة، (2/ 473) .
(4) النواجذ: مفردها الناجذ وهو الضرس، وعضَّ على الشيء بناجذه: حرص عليه. المعجم الوسيط، ص (902) .