ثالثًا: إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كحق سياسي للمسلم يعتبر واجبًا شرعيًا وفرضًا على المسلمين، في الوقت ذاته، لأمر الله سبحانه وتعالى به، لضمان تحقيق الإيمان والعدل، الذين هما أساس الحكم، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [1] .
يقول ابن تَيْمِيَّة في هذا الصدد:
«ولهذا قيل: أنّ الله يقيم الدَّوْلَة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة» [2] .
بينما تنطلق فكرة المعارضة السِّيَاسِيَّة من اهتمام وحرص الأفراد فقط على عدم استبداد الحاكم.
يتضح إذًا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينطلق من قاعدة شرعية وليس من فكرة الحرِّيَّة الفردية، ويجمع بين كونه حقًا سياسيًا للمسلمين وواجبًا دينيًا عليهم، وقد وردت العديد من الأدلة الموجبة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتي تدل دلالة واضحة على أنّ الاقتصار على الجانب السلبي المتمثل في المعارضة السِّيَاسِيَّة، لا يكفي لقيام مجتمع إسلامي متكامل، حيث تجب المبادأة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحاسبة ليستقيم حال المجتمع.
وبذلك تقدم نظرة الإسلام السِّيَاسِيَّة لحقوق الأفراد السِّيَاسِيَّة تجسَيِّدًا حقيقيًا للمشاركة السِّيَاسِيَّة، يربو على فكرة المشاركة لدى الغَرْب لكونها تهدف إلى النهوض بالدَّوْلَة وليس الاكتفاء فقط بنقدها ومعارضتها، كما يهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك إلى تأكيد الحق الشَّرْعي للأفراد والجماعات في التصدي لانحرافات الحكومة، في حين تجسد المشاركة السِّيَاسِيَّة في الفِكْر الغَرْبيّ رغبة الأفراد في الحد من سلطة الحاكم، وبالتالي التخفيف من سيطرة الدولة، التي أسماها المفكر السياسي هوبز «التنين» .
(1) التوبة / 112.
(2) ابن تَيْمِيَّة / مجموع الفتاوى (38/ 146) .