فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 633

ثانيًا: يرفض الإسلام فكرة «المعارضة» الدائمة للنظام السياسي، أي «المعارضة للمعارضة» . إنّ الأصل في نظام الإسلام كما مرّ معنا من قبل الطاعة، مصداقًا لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [1] ولتأكيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجوب طاعة الأمير، فقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» [2] . في هذه الأحاديث وغيرها مما تعلق بها، تدل على أن طاعة الحاكم في الإسلام أداء لفرض من فروض الدين وهي بالتالي ليست نابعة من خوف من سطوة حاكم، أو رغبة في دفع شر فاسد، بل هي نابعة من إيمان بمبدأ، واعتناق لعقيدة هذا وقد قيد الشَّرْع الطاعة «بالمعروف» أي بما وافق الشَّرْع ونهى الإسلام عن الطاعة في المعصية: لقوله - صلى الله عليه وسلم: «السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» [3] .

فالطاعة واجبة ما أقام الحاكم الشَّرْع، وذلك مصداق لقوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ - الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [4] وقوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [5] .

ولذا كان الإمام يُطاع في كل معروف ولا طاعة في المعصية، وأما إن كان في الأمر اجتهاد فالواجب على الرعية طاعة الإمام ولو خالف رأيهم اجتهاده لكون أحاديث الطاعة في المعروف جاءت مطلقة ولم تقيد بكون المعروف موافقًا لرأي أفراد الرعيّة أو مخالفًا لهم، وكذلك فقد كان العديد من الصحابة يخالفون إمامهم في مسائل اجتهادية ومع هذا يتبعون أمره بالتنفيذ في ذلك، مما يدل على أنّ الإمام يُطاع في كلّ معروف حتى لو خولف في الرَأْي.

والمعارضة للمعارضة، فيها إصرار على الخطأ، المؤدي إلى الخيانة والفسق، وقد نهى الله تعالى عن الخيانة بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [6] ، وقَالَ

(1) النساء / 59.

(2) سبق تخريجه، ص .

(3) سبق تخريجه، ص .

(4) الشعراء / 151 - 152.

(5) الكهف / 28.

(6) الأنفال / 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت