وبناء على الدلالة العامة والشاملة للعدالة الاجْتِمَاعِيَّة عند المَوْدودِي القائمة على العَدالَة الإلهية التي تتمثل في الدستور الإسلامي المتضمن في الكتاب والسنة، حدد المَوْدودِي الكيفية التي يجري على أساسها إيجاد هذه العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة الحقيقية أو الحقة على حدّ تعبيره في الواقع العملي، وذلك من خلال النِّظَام الاقتصادي الإسلامي المرتبط بالنظم الإسْلاميَّة الأخرى السِّيَاسِيَّة والقانونية والمَدَنيَّة مع ارتكازها على أساس الإيمان الكامل بالعقيدة الإسْلاميَّة وفي هذا يقول:
«ولعمر الحق إن أي إنسان إذا نظر إلى نظام الإسلام الاقتصادي بعين الإنصاف والعدل ... فإنه لم يجد بدًا من الاعتراف بأن هذا النِّظَام أحسن وأصح نظام للاقتصاد عرفه الإنسان غير أنه لا يصح الظن بهذا الصدد بأنه من الممكن تسيير نظام الإسلام الاقتصادي هذا بنجاح مع تجريده عن مجموعة نظم الإسلام للاعتقاد و الأخلاق والمَدَنيَّة والاجتماع ... إنكم لم تقبلوا عقيدة الإسلام وضابطه للأخلاق، ومنهاجه للحياة كما هي، فإن مجرد نظامه للاقتصاد لا يمكن أن يسير بروحه الصَحِيْحة ولا ليوم واحد، ولا يمكن أن تستفيدوا منه إلا قليلًا» [1] .
وكما أن المَوْدودِي يذهب إلى اعتبار العَدالَة غير المساواة في التوزيع أو عدمها، وإنما تحقيق العَدالَة عنده يكون من خلال مراعاة القواعد الإسْلاميَّة في التصرف بالثروة وفي ذلك يقول:
«والذي يقرأ القرآن يتضح له أن هذا الكون الشاسع لا أثر فيه للتوزيع المتساوي في أية ناحية من نواحيه ... إذا لم توجد المساواة في جميع هذه النواحي التي أشرنا إليها فما معنى المساواة في وسائل الإنتاج أو في توزيع الثروة؟ هذا أمر لا يستحيل من جهة الواقع فحسب، بل لو فرض على المجتمع بطرق مفتعلة ينال الغش المحتوم ولذلك فإن الإسلام لا يقول بوجوب توزيع أدوات الإنتاج والمنتوجات على قدم المساواة، بل هو يقول بوجوب التوزيع على أساس العدل ولتحقيق التوزيع العادل يضع طائفة من القواعد والالتزامات» [2] .
وبذلك يقرر المَوْدودِي أن العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة الإسْلاميَّة لا تتحقق إلا من خلال التوازن بين حاجات الفرد وصيانتها وحاجات الجماعية بحيث لا يطغى طرف على طرف، ولا يتجاوز أي طرف حدوده الشَّرْعية التي رسمها الإسلام. وفي ذلك يقول:
«لا يكتفي الإسلام بأن تكون الهيئة الاجْتِمَاعِيَّة عادلة مفتوحًا بابها لكل واحد من أفراد البشر، بل يقتضي مع ذلك أن يكون المتسابقون في هذه الحلبة متراحمين متواسين متعاونين ... يرسخ في
(1) المَوْدودِي، أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة، نقله للعربية محمد عاصم حداد، ص (188 - 189) .
(2) المَوْدودِي، مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، ص (112) .