ما أن بزغ كتاب العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام عام 1948 م لسَيِّد قطب حتى تحولت الأنظار واشرأبت الأعناق إلى مفكر إسلامي متفقه في دينه متمسك بآدابه، مقاوم لرواسب الثَّقافَة الغَرْبيّة في نفسه فكريًا وسلوكيًا بل شعوريًا، وأصبح يجسد التيار الثقافي الأصيل في كتاباته عند كثير من المشتغلين بالدراسات الإسْلاميَّة حتى شبهه البعض بابن تَيْمِيَّة.
إن المتبصر في كتابات سَيِّد قطب يلحظ سمة عامة في منهجه تكاد تطغى على أقواله مفادها أن الفِكْر الغَرْبيّ مرفوض برمته لأنه نتاج العقل البشري، وبالتالي فهو فكر جاهلي مناقض للفكر الإسلامي، وأنّى أن يوفق بين الفِكْر الوضعي والفِكْر الإسلامي. أو بين منهج الله ومناهج الناس؟
وفي ذلك يقول سَيِّد قطب: «وهذه الجَاهِليَّة خبثت قديمًا وخبثت حديثًا ... إنه هوى البشر المغرضين ... حتى تجيء شريعة الله، فتنسخ هذا كله، وتشرع للناس تشريعًا لا يشوبه جهل البشر ولا يلوثه هواهم ... هذا هو الفارق بين منهج الله ومناهج الناس، فإنه يستحيل الالتقاء بينهما في نظام واحد، ويستحيل التوفيق بينهما في وضع واحد، ويستحيل تلفيق منهج نصفه من هنا ونصفه من هناك ... » [1] .
بل لا يجوز أن يلصق بالإسلام أي فكر من الأفكار الوضعية كما لا يجوز أن يعرض الإسلام للناس في قَالب غير قَالبه الذي أوحي به «فالإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجْتِمَاعِيَّة الوضعية، إنما هو الإسلام» [2] .
«وإن النِّظَام الإسلامي ... ليس هو الرَّأْسُماليَّة، ولا الاشْتِراكِيَّة .. إن النِّظَام الإسلامي هو فقط النِّظَام الإسلامي» [3] .
وبهذا فقد حصر سَيِّد قطب الأمر في منهجين اثنين، هما: الكفر والإسلام، وبناءً على هذا الأصل الأصيل في اعتبار أن منهج الله تعالى هو المنهج المتمثل في الإسلام وأن منهج الكفر هو كل ما ينتجه العقل الإنساني، بدأ سَيِّد قطب في بيان موقفه من الفِكْر الغَرْبيّ ومصطلحاته من خلال كتب أربعة بارزة هي:
(1) قطب، سَيِّد: معالم في الطريق، ص (204) .
(2) قطب، سَيِّد: معالم في الطريق، ص (205 - 206) . وانظر: قطب، سَيِّد: نحو مجتمع إسلامي، ص (90) .
(3) قطب، سَيِّد: معالم في الطريق، ص (90) .