فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 633

لهذا يؤخذ العلم أخذًا عالميًا من أي أمّة من الأمم لأنه عالمي لا يختص بأمه وأما الثقافية فإن الأمة تبدأ بثقافتها حتى إذا درستها ووعتها وتمركزت في الأذهان تدرس الثقافية الأخرى.

إلا أنه مما يجب التنبه إليه هو التفريق بين الدراسة التي تؤثر في الأمة وأفرادها والدراسة التي لا يكون لها مثل هذا التأثر.

وبناء عليه فإن المعارف التي تتعلق بوجهة النظر عن الحياة، فلا يجوز للمسلمين أن يتأثروا في دراستهم الثقافية بأية ثقافة أخرى غير الثقافية الإسْلاميَّة لأن هذا من شأنه أن يحافظ على هوية الأمة الإسْلاميَّة، ولا يفقد الإسلام صفاءه وفاعليته، وبالتالي يحرم نقل أي ثقافة أجنبية إلى بلاد المسلمين إلا بقصد التعرف عليها لبيان زيفها وفسادها ولإبراز الفرق بينها وبين الثَّقافَة الإسْلاميَّة بغية الانتفاع من ذلك في تقوية العقيدة الإسْلاميَّة في النفوس ولإكبار الثَّقافَة الإسْلاميَّة، فالبضد تعرف الأشياء، وفي هذا الصدد يقول النَّبَهَانِيّ « ... نعم إن الثَّقافَة الإسْلاميَّة انتفعت بالثقافات الأجنبية واستفادت منها وجعلت وسيلة لخصبها وتنميتها ولكن ذلك ليس تأثرًا وإنما انتفاع والفرق بين التأثر والانتفاع، أنّ التأثر بالثَّقافَة هو دراستها وأخذ الأفكار التي تحويها وإضافتها إلى أفكار الثَّقافَة الأولى-المتأثرة- لمجرد وجود شبه بينهما أو لمجرد استحسان هذه الأفكار ... ولو فعل المسلمون ذلك لاتجه الإسلام من أول خروجه من الجزيرة العربية اتجاهًا مضطربًا ولاختلطت أفكاره اختلاطًا أفقده كونه إسلامًا. هذا هو التأثر لو حصل، وأما الانتفاع فهو دراسة الثَّقافَة دراسة عميقة ومعرفة الفرق بين أفكارها وبين أفكار الثَّقافَة الإسْلاميَّة، دون أن يتطرق إلى أفكار الإسلام أي تناقض، ودون أن يؤخذ من أفكار الثَّقافَة الأجنبية عن الحياة وعن التشريع وعن العقيدة أي فكر والاقتصار على الانتفاع بالثَّقافَة دون التأثر بها» [1] .

وبناء عليه فلا يجوز نقل لفظة العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة ولا غيرها من المفاهيم والمصطلحات الناتجة عن الثَّقافَة الغَرْبيّة أو قل عن غير الثَّقافَة غير الإسْلاميَّة إلى الفِكْر الإسلامي ولا يجوز الانتفاع بها في خدمة الإسلام لتناقض ذلك مع الإسلام فضلًا عن كون الترويج لها واستعمالها في الفِكْر الإسلامي وقوعًا في شرك الغزو الفِكْري الغَرْبيّ وهزيمة محققه للإسلام في وجه هذا الغزو.

وفي هذا يصف النَّبَهَانِيّ المسلمين بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي بقوله: «فالمسلمون منذ أوائل الفتح الإسلامي حتى العصر الهابط الذي حصل فيه الغزو الثقافي والتبشيري ... كانوا يجعلون العقيدة الإسْلاميَّة أساس ثقافتهم وكانوا يدّرسون الثقافات غير الإسْلاميَّة للانتفاع بما فيها من معانٍ عن الأشياء في الحياة، لاعتناق ما فيها من أفكار، ولذلك لم يتأثروا بها وإنما انتفعوا

(1) النَّبَهَانِيّ: الشخصية الإسْلاميَّة، (1/ 276) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت