فهرس الكتاب
5 -ضمان للمواليد الجدد:
يظن كثير من الناس أن فرض راتب شهري لكل مولود جديد هو من نتائج الحَضَارَة المعاصرة والتنظيمات المدينة الحديثة، بينما كان هذا الإجراء نظامًا مقررًا ومعمولًا به في الدَّوْلَة الإسْلاميَّة منذ بزوغها في القرن السابع للميلاد كجزء من أنظمة الدَّوْلَةالأَسَاسيَّة، ولكن مع فارق جوهري واحد، وهو أن الدَّوْلَة الإسْلاميَّة لا تقتصر في فرض هذا الراتب لأولاد موظفي الدَّوْلَة فقط كما هو بشأن الأنظمة الحديثة، بل هي تفرض هذا الراتب الشهري لكل مولود جديد موظفًا كان والده أو غير موظف بحيث يشمل هذا الضمان أولاد المواطنين جميعًا.
وقد كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في أول الأمر لا يفرض راتبًا إلا للمولود الذي تمّ فطامه فأصبح يتعجلون فطام أولادهم حتى يصرف لهم عطاؤهم ولما علم عمر بذلك أمر مناديه أن ينادي في الناس: «أن لا تعجلوا أولادكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، قَالَ: وكتب بذلك عمر في الآفاق بالفرض لكل مولود في الإسلام» [1] . والأصل في ذلك، ما رواه لنا عبد الرحمن بن عوف [2] قَالَ: «قدمت رفقة من التجار إلى المدينة، فنزلوا المصلى، فقَالَ لي عمر: هل لك أن نحرسهم الليلة من السرق؟ فباتا يحرسانهم، ويصليان ما كتب الله لهما.
فسمع عمر بكاء صبي، فتوجه نحوه وقَالَ لأمه: «اتَقِيّ الله وأحسني إلى صبيك» ، ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه، فعاد إلى أمه فقَالَ لها: «اتَقِيّ الله وأحسني إلى صبيك» ثم عاد إلى مكانه، فلما كان من آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه وقَالَ لها: «ويحك إني لأراك أم سوء، مالي أرى ابنك لا يقر (أي لا يسكت) منذ الليلة؟» قَالَت: يا عبد الله قد أبرمتني (أضجرتني) منذ الليلة، إني أريده عن الفطام فيأبى. قَالَ: ولم؟ قَالَت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطيم. قَالَ: وكم له (أي من العمر) ؟ قَالَت: كذا وكذا شهرًا. قَالَ ويحك لا تعجيله. فصلى عمر صلاة الفجر، وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلّم من صلاته قَالَ: يا بؤسًا لعمر، كم قتل من أولاد المسلمين؟ ثم أمر مناديه فنادى: أن لا تعجلوا أولادكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك عمر إلى الآفاق (أي إلى سائر البلاد) [3] .
(1) بن سلام، أبو عبيد القاسم: الأموال، ص (338) .
(2) عبد الرحمن بن عوف، القرشي، ولد بعد الفيل بعشر سنين، كان أحد السابقين إلى الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد المشاهد كلّها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. توفي سنة (31 هجرية) بالمدينة. انظر: أُسد الغابة، (3/ 480) .
(3) الطنطاوي، علي: أخبار عمر، ص (370) .