{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .
وقول الله - عز وجل: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} إلى آخر الآية، التقدير: إلا نجوى مَن إلخ، فإن في ذلك الخير، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا؛ أي: لكن من أمر بصدقة إلخ، فإنَّ في نجواه الخير [1] ، وهو ظاهر في فضل الإصلاح [2] ؛"الفتح": 5/ 351.
(1) إعراب {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} مبني على معنى {نَجْوى} ، وفي معناها قولان: أحدهما: أن المراد بها التناجي - أي: التسارر - فعلى هذا يكون في قوله: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} وجهان:
أ- أنه استثناء منقطع في موضع نصب؛ لأن {مَنْ} للأشخاص، وليست من جنس التناجي.
ب- أن في الكلام حذْف مضاف، تقديره: إلا نجوى من أمر، فعلى هذا يجوز أن يكون في موضع جر بدلًا من {نَجْوَاهُمْ} ، وأن يكونَ في موضع نصب على أصل باب الاستثناء ويكون متصلًا.
والوجه الآخر: أن النجوى القوم الذين يتناجون، ومنه قوله - تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47] ، فعلى هذا الاستثناءُ متصل،"فيكون أيضًا في موضع جر أو نصب على ما تقدم"؛ انتهى من"إملاء ما مَنَّ به الرَّحْمن"؛ للعكبري: 1/ 194، وانظر قريبًا من ذلك في:"جامع البيان"؛ للطبري: 9/ 202 - 204،"معاني القرآن"؛ للزجاج: 2/ 106،"البسيط"؛ للواحدي - تحقيق المحيميد: 2/ 411 - 412،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 11/ 41،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 563،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 2/ 349،"الدر المصون"؛ للسمين: 2/ 425،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 382 - 383،"مشكل إعراب القرآن"؛ لمكي: 1/ 208،"البيان في غريب إعراب القرآن"؛ لأبي البركات ابن الأنباري: 1/ 267.
(2) الآية ظاهرة في فضل الأمر بالصدَقة والمعروف والإصلاح بين الناس، وإنما ذكر الحافظ - رحمه الله - الإصلاح؛ لأن البخاري - رحمه الله - أوْرَدَها في باب ما جاء في الإصلاح بين الناس؛ انظر:"الصحيح"،"فتح": 8/ 350.