{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43] .
ودلَّتْ آية النِّساء على أن استباحة الجنب للصلاة - وكذا اللبث في المسجد - يتوقف على الاغتسال [1] ،
(1) انظر في دلالة الآية على أن استباحة الجنب للصلاة متوقف على الاغتسال:"جامع البيان"؛ للطبري: 8/ 385،"معالم التنزيل"؛ للبغوي: 2/ 219،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 10/ 114،"أحكام القرآن"؛ لابن العربي: 1/ 436،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 256،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 701،"التحرير والتنوير"؛ لابن عاشور: 5/ 62، والمسألة محلُّ إجماع، انظر:"التمهيد"؛ لابن عبدالبر: 8/ 337،"مراتب الإجماع"؛ لابن حزم: 211،"شرح العمدة لابن تيمية"؛ تحقيق: د/ العطيشان: 1/ 351 - 355،"نهاية المحتاج"؛ للرملي: 1/ 212،"إجماعات ابن عبدالبر في العبادات"؛ للبوصي: 1/ 216 - 220، أمَّا دلالة الآية على أن استباحة الجنب اللبث في المسجد متوقف على الاغتسال، فهو متوقِّف على تفسير قوله - عز وجل: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، فمن قال بأن المراد بعابري السبيل: مجتازي المسجد للخروج منه، وهو قول مرْوي عن ابن مسعود، وأنس، وابن عباس في رواية عنه، والحسن، والزُّهْري، والنخَعي، وابن المسيب، وعمرو بن دينار، وقال به ابن قتيبة، والطبري، وابن عطية، وغيرهم.
ومعنى الآية على هذا القول: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى؛ حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها جنبًا حتى تغتسلوا إلا مجتازين فيها غير ماكثين، ووجه الدلالة من الآية على تحريم اللبث في المسجد على الجنب، أنها حرمتْ عليه قربان المساجد، واستثنت من ذلك حالة واحدة، هي حالة الاجتياز والمخطر فيه.
أما على قول من قال: بأن المراد بعابري السبيل: المسافرون؛ لأن المسافر يعوزه الماء غالبًا، فيَتَيَمَّم، وهو قول علي، وابن عباس - في رواية عنه - ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، وزيد بن أسلم، وابنه عبدالرحمن، ومقاتل، والفراء، والزجاج في آخرين، فلا دلالة في الآية على تحريم اللبث في المسجد، والوجه الأول في تفسير {عَابِرِي سَبِيلٍ} في الآية أولى، قال الطبري موضحًا ذلك:"وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، فكان معلومًا بذلك أن قوله: {وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} لو كان معنيًّا به المسافر فلم يكن لإعادة ذكره في قوله: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} - معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك"؛ وانظر:"معاني القرآن"؛ للفراء: 1/ 270،"تفسير غريب القرآن"؛ لابن قتيبة: 127،"معاني القرآن"؛ للزجاج: 2/ 55،"جامع البيان"؛ للطبري: 8/ 379 - 385،"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 959 - 960،"الكشف والبيان"؛ للثعلبي: 4/ 59 ب،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 127،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 90 - 91،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي 5/ 206 - 208،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 612 - 613،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 701.
وقد اختلف أهلُ العلم في حكم اللبث في المسجد للجنب، فذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله، وذهب أحمد وإسحاق إلى أنه متى توضأ جاز له المكث في المسجد، ومن أدلة الأئمة الثلاثة الآية، ومن أدلة أحمد وإسحاق والمزني ما رواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال:"رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة"، قال ابن كثير:"وهذا إسناد على شرط مسلم"، وحسن إسناده د/ الحميد في تخريجه سنن سعيد بن منصور: 4/ 1275 - 1277 رقم: 646، ومع صحته، فالأول أظهر؛ لأن هذا فعل صادر من بعض الصحابة، ولا حجة في ذلك، والله أعلم؛ انظر:"أحكام القرآن"؛ للجصاص: 2/ 288،"أحكام القرآن"؛ لابن العربي: 1/ 438،"معالم التنزيل"؛ للبغوي: 2/ 220،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 206 - 208،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 256،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 614،"محاسن التأويل"؛ للقاسمي: 5/ 162.