{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 101، 102] .
واحتج مخالفوهم [1] بقوله - سبحانه وتعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} ؛ لأن نفْي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون مِن شيء أطول منه [2] ؛"الفتح": 1/ 553.
(1) أي: مخالفو الحنفيَّة في مسألة هل القصْر في السفر رخصة أم عزيمة؟ فذهب الحنفية إلى أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة؛ أخذًا بظاهر حديث عائشة في البخاري"فتح": 1/ 553 رقم: 350 قالتْ:"فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرتْ صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر"، وذهب مخالفوهم - وهو الأظهر - إلى أن القصر في السفر رخصة لا عزيمة، مُحتجين بهذه الآية، ومنهم: ابن حجر حيث قال في"الفتح": 1/ 553 - 554،"والذي يظهر لي - وبه تجتمع الأدلة السابقة - أن الصلوات فرضتْ ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن خزيمة: (2/ 70 رقم: 944) ، وابن حبان: (6/ 447 رقم: 2738) ، والبيهقي (3/ 145) من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالتْ:"فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار". ا. هـ."
ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله - تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} ، والمسألة مبْسوطة في كُتُب أهل العلم؛ انظر:"الاستذكار"؛ لابن عبدالبر: 6/ 61،"المحلى"؛ لابن حزم: 3/ 185،"شرح معاني الآثار"؛ للطحاوي: 1/ 415،"بداية المجتهد"؛ لابن رشد: 1/ 307،"المغني"؛ لابن قدامة: 3/ 122،"شرح الخرشي على خليل": 2/ 56،"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير": 1/ 358،"بدائع الصنائع"؛ للكاساني: 1/ 137،"الإفصاح"؛ لابن هبيرة: 1/ 165،"نيل الأوطار"؛ للشوكاني: 3/ 245،"الروضة الندية"؛ لصديق خان: 1/ 373،"سُبُل السلام"؛ للصنعاني: 2/ 47 - 49، وغيرها.
(2) انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 9/ 123،"معاني القرآن"؛ للنحاس: 1/ 177،"معالم التنْزيل"؛ للبغوي: 2/ 275،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 558،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 10/ 17،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 338،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 3/ 220"روح المعاني"؛ للآلوسي: 5/ 131،"التحرير والتنوير"؛ لابن عاشور: 5/ 184.